مسرحية "سلوان" تكوين ثلاثي للموت والعشق والنسيان

الجمعة 2015/01/30
ليلى طوبال تميط اللثام عن حقبة حالكة من تاريخ تونس

صندوق عتيق وأضواء خافتة وميكروفون منتصب، وامرأة تونسية تختزل مسيرة نسائية طويلة من النضال، لكسب حقوقها أولا والذود عنها ثانيا، تلك المكونات الأربعة كانت كافية لتلهب مشاعر جمهور متعطش لعروض الفن الرابع في تونس.

اختارت ليلى طوبال الممثلة المسرحية التونسية لمسرحيتها الجديدة اسم “سلوان”، وقد اختارته الممثلة بدقة، فهو مزيج من مكونات ثلاثة هي الموت والعشق والنسيان على حدّ تعبيرها.

دقت طوبال بمسرحيتها الجديدة إسفينا في مشاريع الظلام كما تصفها دائما، حيث حاول شيوخ التكفير زرعها في تونس خلال السنوات التي عقبت الثورة التونسية.

يفتح ستار المسرحية على امرأة في أبهى تجلياتها ترتدي فستان عروس يقطع بياضه لون أسود متشائم، ربما هو انعكاس لـ”تشاؤل” المرأة التونسية في الفترة الماضية، وترنحها بين ماض ناصع ومستقبل غامض مجهول.

امرأة بلا اسم، بلا ماض، بلا تاريخ وذاكرتها تائهة بين الثنايا نسيت من أين جاءت وإلى أين ستحط الرحال، هكذا قدمت العروس نفسها للجمهور، لكنها تحاملت على نفسها قليلا وكثيرا، لتحاول ترتيب الفكرة والصور والخرافات والآلام المزدحمة في قلبها المرهف.

وبصوتها الجهوري الواثق من نفسه تسرد لنا العروس، حكاية الوطن الحزينة زمن حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، وما حف بها من دموع وأحزان ودماء.

تشخص طوبال في سلوان حكاية رجل داس شرف ابنته، بأن اغتصبها فانبرت له لترديه قتيلا مضرجا بدمائه، وتتسارع الأحداث وتتداخل، لتجسد نفسها في غرفة الإعدام التي تزيد من وحشتها سجانة كريهة وشيخ يتلو سورا من القرآن استعدادا لتنفيذ الحكم.

وكحكايات ألـــف ليلة وليلة تنتقل طوبال طيلـــة ساعتين بجمهورها من المشهد العـــام (مشهد ما قبل الإعدام)، بعد أن طلبت من جلاديهــا مهلة زمنية تسمح لها بتنفيذ رغباتها الأخيرة، إلى ثنـــايا كثيرة وزوايـــا بعيــدة، أتت على عنــاوين كثيرة أبرزها قضية الشـهداء وقضية المرأة وتوقها إلى الحرية.

الممثلة استعرضت مع جمهورها اللحظات الحزينة التي مرت على التونسيين، بدءا بحوادث العنف الكثيرة ضد الفن والفنانين، وصولا إلى محاولات العودة عن مكتسبات المرأة

وكحقنة تخديرية للممثلة من وجع الانتقال بين القضايا الحارقة، تتجرع طوبال بين الفينة والأخرى جرعة من قارورة السلوان المركونة هناك في الصندوق المهجور.

حاولت طوبال في “سلوان” الإجهاز نهائيا على جذور التطرف والغلو والتكفير الذي جاء مرافقا وملازما لحكم الإخوان المسلمين بتونس بعد انتخابات الثالث والعشرين من أكتوبر 2011.

واستعرضت الممثلة مع جمهورها اللحظات الحزينة التي مرت على التونسيين، بدءا بحوادث العنف الكثيرة ضد الفن والفنانين، وصولا إلى محاولات العودة عن مكتسبات المرأة، مرورا بالاغتيالات السياسية واستهداف عناصر الأمن والجيش التونسي من قبل المتشددين، وتطلب بين لحظة وأخرى الوقوف دقيقة صمت ترحما على شهداء الوطن.

ومن صندوقها المركون هناك نثرت طوبال ورودا حمراء، وكأنها تحاكي مقارعة التونسيين لثقافة الموت بحب الحياة والإصرار على تونسيتهم رغم الجراح الكثيرة.

صدعت سلوان بصوت عال في وجه مشاريع الظلام التي حيكت لتونس، وبشرت بثقافة الموت ضدّ الحياة التي لا حدود لها، وانتزعت من أيادي حاملي تلك المشاريع كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة عن الوطن، وصاحت بصوت عال إن “الجبال لنا، والزيتون لنا، والياسمين لنا والقمح والورود لنا”.

فعلت طوبال ذلك في الحقيقة، إذ لم تخش ذات يوليو من 2014، أن تصعد إلى جبل الشعانبي رفقة أصدقاء لها في حركة رمزية لاستعادته، ولمساندة عناصر الجيش المرابطين هناك لتعقب الإرهابيين.

تتجلى الممثلة على خشبة المسرح، وفي لحظات صامتة حزينة تخلع عنها الرداء الأبيض، لتلتحف بثوب أحمر من حمرة دماء الشهداء ولون علم الوطن، لتخرج بصوت قوي واثق دعوة للحلم بالثورة وبالغد وبالأمل وبالعمل وبالقادم الأفضل، للتغلب على أعداء وطنها، والمقصود هنا رأسا، حملة المشاريع الرجعية.

ومن صندوقها المركون هناك نثرت طوبال ورودا حمراء، وكأنها تحاكي مقارعة التونسيين لثقافة الموت بحب الحياة والإصرار على تونسيتهم رغم الجراح الكثيرة

ويستفيق الجمهور فجأة على عودة غير متوقعة لمشهد الإطار الأول، مشهد الإعدام فتتغير المعطيات بتغير نفسية المرأة، فلا أثر للسجانة ولا للشيخ المبشر بالموت، وكأن الممثلة ليلى طوبال أرادت القول أن الحلم الحقيقي وإرادة الحياة بإمكانهما إلحاق الهزيمة بكل القوى الأيديولوجية المتسلطة، أو كأنها نبذه عن نجاح تونس في الإفلات من عقوبة شيوخ الإخوان المتهافتين على قتل تاريخها، والتأسيس لمستقبل على شاكلتهم.

حاولت سلوان أن تلخص في ساعتين، وفقا لرؤية كاتبة النص، فترة مريرة من تاريخ تونس، لكن طوبال تعود لتذكر أن المسرحية لا يمكنها أن تختزل السنوات الأربع الطوال التي عاشتها تونس زمن حكم النهضة.

وتشير طوبال أن مسرحيتها ليست ما تشعر به هي فقط، إنما هي حصيلة لما خالج التونسيين في أحلك فترات بلادهم، داعية إلى عدم التنكر إلى ذلك الماضي وعدم نسيانه، تقديرا لتضحيات الشهداء الذين ماتوا في سبيل إنارة درب الآخرين.

17