مسرحية "سيبيريا" للنمساوي ميتيرير مونولوج طويل أمام مرآة الحقيقة

يبدو المسرح مغيبا عن المشهد الثقافي العربي ربما بحكم المعارك التي تطال معظم البلاد العربية، وبسبب التهميش لهذا الفن العظيم، الذي نكتشفه مثلا ونحن نقرأ مسرحية “سيبيريا: مونولوج” وهي من روائع المسرح العالمي، الصادرة بترجمة عربية عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
الثلاثاء 2016/01/26
حالات نفسية عديدة

يمكن قراءة هذه المسرحية في جلسة واحدة، لما تتمتع به من سحر، رغم أن البطل فيها واحد، هو رجل مسن يضعه ابنه بالاتفاق مع زوجة الابن في دار للعناية بالعجز، فيشعر الأب العجوز بالقهر لأن حالته الصحية لا تزال جيدة، ولا يحتاج إلى رعاية صحية، لكن أسرة ابنه التي تسكن معه في البيت الذي يملكه تتذمر منه ولا تريده.

في المسرحية التي كتبها النمساوي فيليكس ميترير وترجمها السيد قنديل ترد عبارة مؤثرة هي “عن طريق الشباب تتمّ إزاحة الكهول. كل آثاري في بيت ابني مُحيت؛ كلبي وسط العاصفة يظل معي، أما الإنسان فقليل من الرياح يجعله يتركك”.

المسرحية أشبه بمونولوج عميق يقوم به بطل مطلق ووحيد، وهو المسن الذي نبذه ابنه وزوجة ابنه ووضعاه في مأوى العجز، وأذلوا كلبه أيضا. يصف لنا البطل المعاملة اللاإنسانية التي يتعامل بها الشبان مع المسنين، ويتذكر سنوات شبابه حين وقع أسيرا في أرض العدو سيبيريا، ويقارن بين صقيع سيبيريا وصقيع العلاقات الإنسانية الأشدّ من صقيع سيبيريا، ويؤلمه اكتشافه أنه عُومل بإنسانية أكبر لما كان أسيرا، مقارنة بمعاملة ابنه والموظفين في دار الرعاية الذين يضطرّ إلى رشوتهم وإلى التلويح لهم براتبه التقاعدي كي يعاملوه بلطف، يتأمل قسوتهم وهم يجبرون المسنين على ابتلاع أقراص مهدئة كي يناموا ويستريحوا منهم، هؤلاء العجائـز الذين ينتظرون مـوتهم بفـارغ الصبر.

يمرّ البطل الوحيد في المسرحية بحالات نفسية عديدة، يتـوق إلى حنـان ابنـه ويتـوسله وزوجته اللذين طـرداه مـن غرفتـه وبيتـه الذي يملكه، وأعطوا الغرفة لابنتهم الصغيرة، يقول متوجعا “ستحصلون على معاشي مرة ثانية، وأعدكم وأقسم بكل ما هو غال، أني سأكون رجلا مُسنا طيبا، هادئا وغير ملفت للنظر، وسوف أراعي أولادكم وأراعيكم، سأكون جدّا للأولاد، جدّا حبابا أليفا، لن يكون هنالك تدخل مني أو نصائح، وأعرف أنه ممنوع عليّ حتى التلميح، سأكون في حالي تماما وغير ملحوظ”.

هذه اللهجة المستعطفة الرقيقة تنقلب أحيانا إلى غضب عارم وإحساس بالمهانة فيقول “المسألة كلها هي عدم المبالاة بالشيوخ، أجل عدم المبالاة، هذا أسوأ شيء في الإحساس، إنه عدم إحساس مطلقا، إحساس بارد أكثر ألف مرة من برودة سيبيريا القارسة. أيّ قسوة هي قسوة البشر حين يقرفون من الشيوخ الطاعنين في السن؟

المسرحية التي يقوم بطل وحيد بكل مونولوجها ومشاهدها أشبه بتحريك لمياه أرواحنا الراكدة، وزلزلة لضمائرنا الغارقة في السبات
إنهم لا يبالون بهم وبأحاسيسهم، وكأنه على الشيوخ أن يعتذروا منهم لأنهم لا يزالون على قيد الحياة.. ولا يعتنون بهم، فتتقرح ظهورهم ومناطق عديدة من أجسادهم وتطلق روائح كريهة، فيعالجونهم علاجا ناقصا كيفما اتفق، يعصرون مرهما فوق قروح أجسادهم، أما قروح الروح فلا يبالي بها أحد.. وقد يبلغ ببعض الممرضين أن يحقنوا العجائز بإبرة الرحمة التي تخطف نبض الحياة من إنسان كل ذنبه أنه كبر”.

يصور لنا الكاتب معاناة بطله وإحساسه بالذل، ويصف حتى عشاءه على الساعة الخامسة والنوم في الساعة الثامنة، يتساءل البطل “هل تستطيع تخيل هذا؟ أنا ابن الليل”. ويطرح البطل الوحيد في الصفحات الأخيرة من المسرحية سؤالا موجعا كأنه صفعة لكل الناس “اختنقت ولم تفعلوا شيئا، هنا في مأوى العجز، لم تفعلوا شيئا ضد هذه الأوضاع فماذا يبقى لنا هنا؟ الفناء؟ فليكن فناء إنسانيا على الأقل.. إنني إنسان”.

نشعر بوصمة عار على جبيننا حين ينبهنا كبار السن الذين نعاملهم كعبء ولا نعطف عليهم، فيما هم يشحذون بصمت عواطفنا وأننا نتعامل مع إنسان، يملك قلبا مشبعا بالحب، ولا يطلب شيئا سوى القليل من الحب والحنان والتقبل، لكن الإنسان يمكن أن يحب كلبا ويعتني به، ولا يحب إنسانا، بل يحقنه بإبرة الرحمة القاتلة.

المسرحية التي يقوم بطل وحيد بكل مونولوجها ومشاهدها أشبه بتحريك لمياه أرواحنا الراكدة، وزلزلة لضمائرنا الغارقة في السبات، ولقسوتنا تجاه كبار السن الذين ننفر من شكلهم وروائحهم وأمراضهم. هذه المسرحية الرائعة ذات المونولوج الطويل المتقن تضعنا أمام مرآة الحقيقة لنحاكم أنفسنا في ادّعائنا إنسانية زائفة ومنافقة.

15