مسرحية لا ترى مرض ألزهايمر قضاء محتوما، بل إمكانية حياة جديدة

"سوف تتذكرني"مسرحية تعالج قضية حساسة، وداء عضالا يحار الخبراء في القضاء عليه، بأسلوب لا يخلو من الفكاهة والطرافة.
الاثنين 2018/09/10
خيط رهيف يصل الفكاهة بالأسى

كيف يمكن رعاية أناس أحببناهم حين يُرَدّون إلى أرذل العمر، ويصابون بأحد أمراض العصر، فيعجزون حتى على تذكر من هم حولهم. ذلك ما تعالجه مسرحية “سوف تتذكرني” للكاتب الكندي فرانسوا أرشَمبو التي تعرض حاليا على خشبة مسرح بيرتو بباريس بإخراج دنيال بونوان

تتمحور مسرحية “سوف تتذكرني” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح بيرتو الباريسي حول فقدان الذاكرة، بسبب مرض الخرف الكهلي الذي من أعراضه صعوبة تذكر الأحداث القريبة، وصعوبة التعبير عن وضعيات معتادة، ومشاكل في اللغة، مع تقلّب المزاج، وفقدان القدرة على العناية بالنفس، وفقدان تبين المعالم والأماكن ما يؤدي إلى ضياع المصاب خارج بيته، وبفقدان اللغة واستقلالية الحركة ينسحب من المجتمع ثم من الأسرة ليصبح عالة على من حوله، حتى النهاية. وقد عرف هذا المرض باسم ألزهايمر نسبة إلى مكتشفه طبيب الأعصاب الألماني ألويس ألزهايمر (1864-1915).

وسط ديكور بسيط مؤلف من خشبة عليها أرائك وكنبة أو سرير مفرد تلفها الشجيرات من جوانب ثلاثة، وكأن المكان يقع وسط مرج أو حديقة غنّاء، تتخلله بين الحين والحين صور فيديو سريعة، تقّطع المسرحية إلى مشاهد قصيرة تضيء متاهة الحيرة والحنين والأسى، يتبدى باتريك شيني في دور إدوار بوشار، أستاذ السوربون السابق، والمثقف الذائع الصيت، الذي كان في ما مضى نجمَ المنابر الإعلامية التي تتنافس على استضافته لقدرته على إذكاء جذوة الجدل واستقطاب جمهور المشاهدين.

باتريك شيني بدأت مداركه تختل، وذاكرته التي كان يصفها في المنابر وأمام أصدقائه وأقربائه بكونها “قوية جدا!”، يستند إليها في تخزين علمه ومراكمة معارفه، ويعود إليها ليستظهر عن ظهر قلب سير الأعلام وحتى محتويات مكتبة الإسكندرية في عهد البطالمة، ولكنها اليوم خذلته، وصارت تتمنع عليه.

وبتوالي السنوات، وترهل الجسد، وتراجع القدرات، اختلت ذاكرته، وصارت تعجز عن تذكر الأحداث القريبة، والكلمات المعتادة، تعجز حتى عن تذكر اسم شخص أمامه ولو أعيد عليه مئة مرة.

وشيئا فشيئا صار إدوار عاجزا عن التعرف على أقربائه، يخلط بينهم خلطا عجيبا، ويغوص في فوضى لا مخرج منها، ويتساءل “لماذا نعيش اللحظة الحاضرة إذا كانت ستزول بعد خمس دقائق ولا يبقى منها شيء؟”.

والغريب أنه يجد صعوبة في تذكر ما يريد تذكره، ولكنه يجد الصعوبة نفسها في طي ما يريد نسيانه، وكأن ذاكرته باتت لعوبا، انتقائية، تتسلى باحتفاظ ما تريد وإهمال ما لا تهوى.

في المسرحية، لا ينظر إلى مرض ألزهايمر كقضاء محتوم، بل كإمكانية حياة جديدة، فالبطل إدوار الذي يقف ضد كل شيء حتى الإنترنت والعولمة

ورغم ذلك لا يتألم إدوار حقا، لأنه لم يكن واعيا تماما بما آلت إليه حاله، بخلاف أهله الذين كانوا يلاحظون يوميا في قلق وجزع ما يطرأ على سلوكه، ويدركون أنه بات يحتاج إلى من يسهر على راحته، ويساعده حتى على قضاء شؤونه الخاصة، وقد غدا هشا بعد أن كان رب عائلة صارما، حازما، يأتمر أهله بأوامره. وهنا يكمن المشكل، من سيتولى ذلك، وزوجته مضطرة إلى مغادرة البيت للقاء عاشق جديد، وابنته، مرغمة على حضور ندوة، وصهره، زوج ابنته، يفضل تزجية وقته في لعب البوكر على القيام بأي مسؤولية؟

لم تبق سوى ابنة الصهر بيرينيس التي سوف يعهد لها بمراقبة الخرف في نهاية الأسبوع، هذه الفتاة التي تقضي معظم وقتها تتسلى بالسمارت فون، وهي لا تني تفرقع علكتها، تفضل التواصل مع أصدقائها الافتراضيين أو الحقيقيين على ذلك الجهاز على تبادل الحديث مع ذلك “المريض”.

ورغم ذلك ينشأ بينهما تدريجيا ما سوف يساعده على الصمود أمام زحف المرض، أولا لأنها ليست معنية وجدانيا بحاله، ثانيا لأنها حازت إعجاب أدوار بفضل لامبالاتها وعدم أخذها المسائل مأخذ الجد، فكان يحس أنها قريبة منه، تفهمه أكثر ممّا يفهمه أقرباؤه، ولو أنها كانت تنصت لحديثه، وهذيانه أحيانا، بشكل يشجعه على الاسترسال والتواصل، ما يجعله يستعيد بعضا ممّا طمره النسيان.

في هذه المسرحية، لا ينظر إلى مرض ألزهايمر كقضاء محتوم، بل كإمكانية حياة جديدة، فالبطل إدوار الذي يقف ضد كل شيء حتى الإنترنت والعولمة، يجد في هذا الداء وسيلةً لكي يمحو من ذاكرته العالم كما هو، ترياقا ضد هيمنة الحاضر. وبفضل الفتاة بيرينيس، يستعيد حالة جديدة، وطريقة لتغيير حياته، وتجميلها إلى حدّ صار يفضلها عن حياته السابقة، ذلك أن المراهقة ذات السبعة عشر ربيعا استطاعت رغم لامبالاتها واهتمامها المفرط بجهاز السمارت فون أن تأخذه إلى جانب من ماضيه المنسي.

وقد عمد المؤلف فرانسوا أرشَمبو إلى وضع شخصيتي إدوار وبيرينيس جنبا إلى جنب لا ليؤكد على فوارق جيلين يختلفان في كل شيء، بل ليخلق رابطا بينهما، خيطا رفيعا يقربهما من بعضهما بعضا بشكل يعيد إلى إدوار ابتسامته، حتى وإن ظلت الذاكرة انتقائية، تتخير ما يحلو لها.

ما يحسب للمسرحية أنها تعالج قضية حساسة، وداء عضالا يحار الخبراء في القضاء عليه، بأسلوب لا يخلو من الفكاهة والطرافة، فالمشاهد التي يتسلى فيها البطل بحاله كثيرة، تنتزع البسمة من المتفرجين، وكأن المؤلف فرانسوا أرشَمبو، وكذلك المخرج دنيال بونوان، حريصان على الإبقاء على الخيط الرهيف الذي يصل الفكاهة بالأسى، وهذا أمر نادر.

16