مسرحية للأطفال تدعو الكبار إلى إيقاظ الطفل النائم في أعماقهم

مسرحية "الطيور الذكية" اعتمدت على بناء قصصي بسيط، بحيث يستطيع الجميع فهم مغزى الحكاية بسهولة تامة.
الثلاثاء 2019/08/13
الطيور لها حيلتها

يوقظ مسرح الطفل في جمهوره الكثير ملكة التفكير والتخيل من خلال ما يطرحه من قضايا حساسة، لكن مسرح الطفل لا يقف عند حدود الأطفال حيث هو فن في النهاية ويمكن أن ينفتح على جمهور من شرائح أخرى لكل منها طريقتها وزاويتها في تقبل العمل.

دمشق - “إذا أردت أن تقدم مسرحا للطفل، أيقظ أولا الطفل الذي بداخلك” جملة مباغتة تطلقها مخرجة العرض المسرحي “الطيور الذكية” بثينة شيا، متوجهة بدلالة الفكرة لصناع مسرح الطفل وكذلك للجمهور من الكبار، بالتعامل مع الموضوع بذهنية الأطفال، وكأنها دعوة نحو الولوج في عالم أكثر بساطة وبراءة من عالم الكبار. شيا التي قدمت مسرحيتها وفق هذه الفكرة للجمهور بأعم حالاته ترصد فيه قيما إنسانية هامة، وتبني من خلالها حكاية على ألسنة الحيوانات للوصول إلى حكمتها.

وفي استحضار لصيغة انطاق الحيوانات كما في كتاب “كليلة ودمنة”، الذي ترجمه ابن المقفع في تراثنا العربي، تم إحداث فضاء قصصي مناسب، لسرد حكاية موجهة للأطفال. بحيث قدم صناع مسرحية “الطيور الذكية” عرضهم المتضمن لحكاية مجموعة من الطيور في الغابة، تتعرض لخطر الموت من صياد متهور، لكن تضامنها وذكاء بعضها ينقذانها من هذا الخطر.

وقدم العرض على خشبة مسرح الحمراء وهو ضمن النشاط الصيفي لمسرح الطفل والعرائس التابع لمديرية المسارح والموسيقا بدمشق. اعتمدت المسرحية على بناء قصصي بسيط، بحيث يستطيع الأطفال فهم مغزى الحكاية بسهولة، ففي غابة مليئة بالحيوانات يعيش الحب والتعاون بينها، لكن وجود خطر محدق بها جميعا يكون عاملا حاسما في حيواتها، بحيث يتوجب عليها لمواجهة ذلك الخطر أن تقوم بفعل لا أن تكون مجرد رد فعل. فكان لا بد من التعاون والتكامل في ما بينها لكي تواجه ذلك الخطر.

وهنا يلجأ النص الذي كتبه صابر أبوراس إلى استعارة بعض الصفات من الحياة الإنسانية وإسباغها على الحيوانات وخلق حوارات بينها لإيضاح الفكرة والانطلاق بالحكاية إلى ختامها.

 ففي المسرحية تظهر الدجاجة المتهورة التي عرضت نفسها بتهور للخطر لكي تنقذ الآخرين، كذلك يحضر الغراب الجريء والبومة الحكيمة والطاووس المتباهي وكذلك الحصان الصادق المرافق للصياد الذي يقدم للحيوانات مساعدات هامة.

وفي صراع الصياد الماكر مع الحيوانات للإيقاع بها، تتفق على أن الأمر يستدعي قيامها بنصب فخ للصياد والإيقاع به، فيتم استدراجه إلى مكان محدد وهو يلاحق طرائده إلى أن يقع في شبكة نصبت له وصار هو الصيد بدل أن يكون الصياد. حفل العرض بالموسيقى والحركة والغناء، وهي العوامل التي لا بد منها في عرض موجه للأطفال، بما تقدمه هذه العناصر من حوامل فرجوية قوية تخلق عند الطفل عوامل انجذاب أكبر لما يقدمه العرض.

استعارة بعض الصفات من الحياة الإنسانية وإسباغها على الحيوانات
استعارة بعض الصفات من الحياة الإنسانية وإسباغها على الحيوانات

وبثينة شيا الفنانة التي تخرجت من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق عام 1989 قسم التمثيل، غابت سنوات طوالا عن المسرح وكذلك عن الدراما التلفزيونية، وها هي تعود بهذا العمل لتقدم ثاني أعمالها بصفة مخرجة مسرحية. وكانت قبلها وخلال ما يقارب الخمسة والعشرين عاما قد ظهرت في العديد من المسرحيات، وبعدد أقل في المسلسلات التلفزيونية، لكنها انصرفت تماما إلى فن الصوت من خلال “الدوبلاج” فقدمت فيه العشرات من الأعمال الكرتونية المخصصة للأطفال، في مركز “الزهرة” لأعمال الدوبلاج بدمشق. فقدمت صوتها للعديد من الشخصيات في مسلسلات كرتونية. منها شخصية “عمر” في “الكابتن ماجد” و“آش كيتشام” في “بيكيمون” وشخصيات أخرى في مسلسلات “المحقق كونان” و“هزيم الرعد” وغيرها.

تقول الفنانة عن ذلك خلال فترة تزيد عن العشرين عاما انقطعت فيها عن أجواء العمل خارج الدوبلاج، واقتصرت علاقتي خلال هذه الفترة الطويلة على زملاء هذه المهنة. لذلك وجدت بعض الصعوبة في التعاطي مع الناس والجمهور في عملي المسرحي الجديد”.

وتضيف شيا “من هذا المنظور، ورغم هذه المتاعب وجهت عرضي للإنسان، أولا للطفل كونه طفلا، كذلك طلبت من المسرحيين خاصة أن يوقظ كل منهم الطفل الذي بداخله، كي يستلهموا من صفائه بعضا من الروح الصادقة، في الطفل مقدرة تلقائية على تقبل الأمور والحكايات بروح بريئة تستوعب الأفكار بطريقة عفوية مدهشة، من يتعامل مع الطفل الذي بداخله بهذا الأسلوب سيجد نفسه إنسانا أبسط وأكثر شفافية وصدقا مع نفسه ومع الآخرين، والمسرحيون الذين يعملون على هذه الطريقة سيصنعون مسرحا أجمل وأصدق”.

وعن تعاملها مع الفريق في إنجاز العمل، تقول “عندما بدأت بالعمل كان لدي تصور بأنني سأجد ضالتي بوجود فريق فني بسرعة، الأمر الذي لم أجده حقيقة، بسبب انشغالات البعض وكذلك اختلاف بعض التفاصيل المهنية التي ما كنت أعلم بوجودها حديثا في جو المهنة، ولكن بعد جهد أكبر توصلت إل تكوين فريق العمل الذي ضم محترفين وهواة، لكنهم جميعا من عشاق فن المسرح، وقد تعاونا معا لتقديم العرض المسرحي بالشكل الذي أردناه، ويبقى مقياس النجاح، بتلقي الجمهور له على أحسن وجه“.

ونذكر أن مسرحية “الطيور الذكية” من إنتاج مديرية المسارح والموسيقى ومسرح الطفل والعرائس بوزارة الثقافة السورية. وهي من تأليف صابر أبوراس، وأزياء وإكسسوار ريم الماغوط، ومكياج منور عقاد، وموسيقى عيسى نجار، وكريوغراف رأفت زهرالدين.

“إذا أردت أن تقدم مسرحا للطفل، أيقظ أولا الطفل الذي بداخلك”
"إذا أردت أن تقدم مسرحا للطفل، أيقظ أولا الطفل الذي بداخلك"

 

14