مسرحية "ليلي داخلي".. مثقفون يقولون ما لا يفعلون

الخميس 2014/01/23
"ليلي داخلي".. الوجه الآخر للمثقف السوري

الشارقة - من بين المسرحيات التي عرضت في أيام مهرجان المسرح العربي 2014 في الشارقة، والذي انتهت فعالياته قبل أيام بتتويج العرض التونسي “ريتشارد الثالث”، تفاعل جمهور المهرجان مع المسرحية السورية “ليلي داخلي” التي سلطت الضوء على ما يثير الاشمئزاز في الواقع السوري اليوم، ويوازي القتل في قبحه وبشاعته كفعل يقوم به إنسان ضدّ آخر.

قتل من نوع مختلف يستخدم الكلمات بدلا من الرصاص، حيث أضاءت على حال كثيرين من النخبة المثقفة، تجار الكلام المنمق على شاشات الفضائيات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يدّعون ما لا يفعلون.

بالتحديد، تحارب المسرحية التي أخرجها سامر محمد إسماعيل، وهي عن نص لغابرييل غارسيا ماركيز بعنوان “خطبة لاذعة ضدّ رجل جالس"، ادّعاءات المثقفين السوريين، الذين تكاثروا في الفترة الأخيرة حاملين شعارات الدفاع عن حرية وحقوق الإنسان، عاملين ما بوسعهم من أجل الوصول إلى الشهرة، ومكاسب أخرى بعضها مادية، على حساب المتاجرة بأرواح الشعب، ولو بطريقة مبطنة قد تخدع القراء بداية سواء كانوا من الطبقة البسيطة أم من طبقة النخبة ذاتها. وذلك عبر سيناريو يبتعد عن الدهاليز السياسية الواضحة بتصنيفاتها أحادية الوجه معارضة وموالاة..

يبدو من سينوغرافيا العرض أن المخرج يجد في الفيسبوك المكان الأفضل للدلالة على مدّعي الثقافة، المتواجدين على صفحاته والذين يبحثون عن الإعجابات “اللايكات” عبر جمل وقصص هم غير مقتنعين بها أساسا، إنما القصد منها كسب الودّ والتعاطف وخلق قاعدة جماهيرية ترضي غرورهم وتنمي الشعور بالمتعة. وقد تمّت ترجمة هذه الفكرة على خشبة المسرح بواسطة شاشة خلفية، والتي كانت صورتها الأولى صفحة الدخول إلى الفيسبوك، حيث سجل الممثل بسام بدر كلمتي المستخدم والمرور وإذ بصفحته الشخصية “سمير الصوفي” وهي الشخصية التي يؤدّي دورها.

بينما تروي زوجة سمير حوارها وخطبتها اللاذعة له، والتي تقوم بدورها الممثلة روبين عيسى، يكتفي هو بالصمت. في جلسته الدرامية المتكبرة، ولا ينطق بكلمة واحدة، مستهترا بها وبحديثها كله. ويكمل تصفحه الأخبار والصور المعروضة على خلفية الخشبة، والتي ترتبط كل واحدة منها بكلام الزوجة وبشخصية وتصرفات الزوج بمعنى أو بآخر. إنه خيار فني اختاره مخرج العرض ليربط أحداث مسرحيته بما هو أكثر شيوعا في استخدامه اليوم في سوريا، الفيسبوك، وليتمكن من خلق جو مسرحي تشكيلي يربط بين التفاصيل كاملة، ويشرح الفكرة من خلال اللوحة أو الصورة. وهنا لا بد وأن نسأل: هل نجح المخرج في هذه الآلية؟

العرض يعيب على النخبة المثقفة نفاقها، ويعرّي أهدافها الحقيقية في الظهور والشهرة، ولو على حساب الآخر الضعيف

تعود الإجابة إلى ما رآه كل مشاهد، لكن يجدر بنا التنويه إلى الوقوع في فخ المباشرة بعض الشيء، سواء عبر الصورة أم عبر الكلام. وهو وإن كان مصدر نقد بالنسبة للبعض، إلاّ أنه كان مصدر وضوح وقوة بالنسبة للبعض الآخر. فالحديث دراميا عن المشكلات التي تمس الواقع السوري دون الاضطرار إلى التلميح ـ على العكس فقد تمّ فضحها علانية ـ يبدو أنه كان محببا بالنسبة لجمهور المهرجان الذين صفقوا كثيرا عند نهاية العرض، وهم ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة من نقاد ومهتمين وإعلاميين.

عدة إشارات تقولها الزوجة فاضحة زوجها، منها ما قالته عن تبجحه على القنوات الفضائية مرتديا أقنعة مختلفة تناسب كل واحدة منها على حدة نفاقه الذي يضمن له صورة لامعة وجميلة لدى الجميع. ويمكن عند هذه النقطة أن نذهب إلى تفاصيل الفكرة، حيث تحيل كلمات الزوجة إلى ادعاء زوجها العلمانية مرة والتدين مرة أخرى، فلا بد برأيه من التصنع بشخصيات متعددة للوصول إلى الهدف الأولي وهو الظهور.

قدمت روبين عيسى براعتها التمثيلية والأدائية في تجسيدها لدور زوجة المثقف سمير الصوفي. فقد كانت مضطرة للكلام والأداء طيلة ساعة وأكثر كون الشخصية المقابلة لها اكتفت دراميا بالصمت، حيث تحملت عبء التمثيل وعبء جذب الجمهور كل تلك الفترة الطويلة.

هي مهمة شاقة توازي مهمة مسرح المونودراما، حيث الممثل الواحد على خشبة المسرح. إلا أنها نجحت بها مبتكرة من الحركات وطبقات الصوت ما ينفع للتنويع والانتقال من حالة إلى أخرى ومن فكرة إلى ثانية.

تنتهي المسرحية بانهيار الزوجة دون أن يثير هذا في زوجها أي شعور بالقلق أو الانزعاج.. الشيء الذي يتوقعه المشاهد الجالس في الصالة منذ البداية، فكيف لهذا الرجل البارد أن يملك المشاعر؟ وتأتي الأغنية الأخيرة بالصوت والصورة وكأنها تنبع من حالها.. من روحها المتعبة إلى ما لا نهاية.

16