مسرحية "معالم" تحكي ذكرى احتجاز الآلاف من الجزائريين في ملعب مكشوف

المسرحية تؤرخ لملحمة أجيال في الذكرى الـ76 لمجازر 8 مايو 1945 وترسخ التوجه السياسي للمسرح الجزائري.
الثلاثاء 2021/05/11
مسرح وثائقي يؤرخ لوقائع تاريخية

الجزائر – ما زالت الفنون الجزائرية متأثرة بشكل واضح بالاحتلال الفرنسي للبلاد الذي استمر لأكثر من مئة وثلاثين عاما بما رافقه من محاولات لطمس الهوية الجزائرية ومن محاولات للتحرر وما جابهها من عنف ومجازر ارتكبها المستعمر، وهو ما نجد له آثارا جلية في السينما والتشكيل وفي المسرح أيضا.

وفي إطار ترسيخ المسرح أداة فنية للحفاظ على معالم الذاكرة الجماعية عرضت أخيرا بالمسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي بالجزائر العاصمة مسرحية “معالم”، وذلك إحياء لليوم الوطني للذاكرة المصادف للذكرى الـ76 لمجازر 8 مايو 1945.

وإذا كان اتصال الجزائر بالحضارة الأوروبية من خلال الاستعمار الفرنسي قد جاء مبكرا، فإن المسرح في هذه البلاد لم يظهر للوجود إلا بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، أي بعد مضي قرن من الزمن على الاحتلال. على أن هذه الظاهرة كان لها ما يفسرها ويبرر وجودها من أسباب مادية ومعنوية ساهمت بصورة أو بأخرى في تأخير نشأة المسرح في هذا القطر العربي، لكن المسرح الجزائري استمر خاصة بعد الاستقلال بنفس ملحمي في مروية فنية ضد ما يروجه الاحتلال، وهو ما نراه في مسرحية “معالم”.

ويتطرق هذا العمل المسرحي الذي أنتج في سنة 2011 من طرف التعاونية الثقافية “أفكار وفنون” للعلمة (ولاية سطيف) إلى الأحداث المأسوية في 8 مايو 1945 التي عاشتها مدينة العلمة على غرار مناطق كثيرة من الوطن تحت وطأة الاستعمار الفرنسي.

وتعود المسرحية إلى التاريخ الفعلي لأحداث مطلع مايو 1945، حيث شرع الجزائريون في التظاهر في 1 مايو 1945 بمناسبة اليوم العالمي للعمال، وكانت معظم التظاهرات سلمية، فأعدّ العلم الجزائري وحضّرت الشعارات مثل “تحرير مصالي الحاج واستقلال الجزائر” وغيرها، ولكن قوات الاستعمار بادرت بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فعمت الأحداث مختلف أنحاء الجزائر، ليكون مطلع مايو من ذلك العام تاريخا لمجزرة في حق عشرات الآلاف من الجزائريين وبداية فعلية للكفاح من أجل الاستقلال.

وتناولت “معالم” التي ألفها وأخرجها عبدالوهاب تمهاشت المكان والزمان الثوريين في مدينة العلمة من خلال قصة محاولة اغتيال الضابط بوكلبة والذي عرف بكلبه الشرس، وكان يقوم بتصعيدات على المواطنين في المقاهي ويضيق عليهم ويمارس في حقهم شتى أنواع العنف والترهيب والملاحقات.

Thumbnail

وتعود المسرحية إلى أحداث مؤلمة وجرائم ارتكبتها قوات الاحتلال، منها مشهد يجسد كيف جمعت كل سكان العلمة شيوخا ونساء ورجالا وأطفالا في الملعب البلدي (حاليا ملعب الشهيد عمار حارش) لمدة 14 يوما من أجل الاعتراف بمن قام بالعملية الفدائية التي استهدفت اغتيال “الحركي” الذي كان يشي بتحركات المقاومين إلى المستعمر.

وجسد هذا العمل الفني في 50 دقيقة الممارسات الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال الفرنسية ضد المواطنين الذين ناهضوا الاستعمار بكل أشكاله وممارساته غير الإنسانية من خلال مشاهد مسرحية وكوريغرافية وغنائية في سرد وثائقي للأحداث التي راح ضحيتها ما يناهز 45 ألف شهيد.

وجاءت السينوغرافيا التي أبدع في تجسيدها المخرج نفسه في بناء حائط كفاصل لزمنين تاريخيين في ديكور “ثابت” بحكم أن الأحداث المأساوية جرت كلها في مكان واحد هو الملعب أين قامت قوات الاستعمار باحتجاز المواطنين لمدة أسبوعيين.

وعبرت المشاهد على المأساة التي من خلال أغان قوية التعبير واللحن الحماسي في موسيقى ألفها صالح برغوث.

 وعرضت “معالم” في عدة مناسبات تارخية خاصة في ذكرى الاحتفال بعيد الاستقلال ومجازر 8 مايو 1945. ويمكننا تصنيفها ضمن المسرحيات الاجتماعية والسياسية التي تلجأ إلى توظيف بعض الشعارات والمفاهيم التقدمية للحث على تغيير المجتمع. كما أن هذه الشعارات تسهم بشكل أو بآخر في تشكيل البناء الدرامي للعمل المسرحي الذي يقوم أساسا على الصراع وكشف خفاياه وتجسيد معالمه المؤلمة خاصة عبر السينوغرافيا والموسيقى.

ترتبط مسرحية “معالم” على غرار الكثير من الأعمال المسرحية الجزائرية بالواقع ارتباطا وثيقا، وتمثل المرحلة التاريخية التي كان يجتازها المجتمع تمثيلا صادقا. وتكشف ما يعج به المضمون من قضايا تمس الواقع مباشرة، كما أنها تكشف عن العلاقات المتناقضة القائمة على الصراع والذي طرفاه هنا المستعمِر والمستعمَر.

وقد قام المخرج بتوظيف بعض المفاهيم والشعارات التي كان يعلنها الأفراد بوصفها أسلوبا لحياتهم، داعيا بذلك إلى التغيير الثوري وفسح المجال أمام الطبقات الكادحة لتقود مسيرة النضال والبناء، وكاشفا ما عاناه الجزائريون من أهوال الاحتلال.

Thumbnail
14