مسرحية مغربية تعالج الفرق بين الاستعمار والاستحمار

الأربعاء 2016/09/21
ضحك حد البكاء

تكمن الطرافة في المسرحية المغربية "قنبولة ديال الضحك" (قنبلة للضحك) التي ألفها جواد الخودي وأخرجها سعد التسولي، واللذان اشتركا في التمثيل فيها إلى جانب كل من فاطمة خير وبنعيسى الجراري في المقارنة التي يأتيها الجنود المغاربة الذين تطوعوا للذود عن فرنسا ضد الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يستميتون في الدفاع عن بلد يستعمر بلدهم، والحال أنهم واقعون بين استعمارين أحلاهما مر، مما جعلهم يعلقون على ما يفعلونه في حواراتهم على خشبة المسرح (بأنه استحمار) وكانوا يحاولون إيجاد الفرق بين الاستعمار و(الاستحمار).

وتحكي المسرحية السياسية الكوميدية في قالب كوميدي مختلط بالألم والدموع، قصة أربعة جنود مغاربة تطوعوا داخل الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية، أيام الاحتلال الألماني للأراضي الفرنسية، حيث ستعيش المجموعة بقيادة الكولونيل حصارا من قبل كتيبة ألمانية مما يجعلها تعرف مواقف امتزج فيها الخوف بالجوع والبرد، وظل الترقب حاضرا لدى العساكر المغاربة الذين كانوا يبحثون عن سبل الانعتاق من الورطة في محاولة منهم للخروج من هذا المأزق.

وتناولت المسرحية البعد الوطني لجنود يدافعون عن علم المستعمر بروح المقاومة وحب الوطن والرغبة في الصمود داخل كتيبة قتل منها 998 جنديا ولم يتبق سوى أربعة يحاولون التخلص من بطش جيوش هتلر النازية وتحرير بلدهم المغرب من خلال تلك المغامرة.

وبالرغم من بساطة تفكير الجنود، لكنهم كانوا يستنتجون أن دفاعهم عن فرنسا التي تحتل بلادهم، هو نوع آخر أقسى بل أسوأ بمراحل من الاستعمار، فالاِستعمار يسيطر على خيرات البلاد ويجعل مواردها في خدمته، أما هم فيحاربون حربا ليست حربهم ويدافعون عن بلد يذلُّ أهلهم، وهذا هو “الاستحمار” بعينه، كما يقول عنه “بوشعيب”، أحد الجنود المحاصرين، لزميله “بليوط” (الذي أدى دوره جواد الخودي).

في مسرحية (قنبولة ديال الضحك) كثرت مدلولات القنبلة، فمنها ما له علاقة بالأنثى في وسط ذكوري، وما ترمز إليه القنبلة من مدلولات مخاطر الموت للجنود

المؤلف التسولي والمخرج الخودي صنعا الضحكات من المُفَارَقَات الهزليَّة، ومن اللعب باللغة فالكتيبة (وهي تسمية عسكرية) توحي لهم بالكاتبة -الأنثى- كما تنطق بالدارجة المغربية، وكذلك من خلال طرح أحداث درامية مبكية. فالضحك أثناء الحرب يشبه البكاء، ووسط جو الكآبة والموت والفزع والجوع والحصار، ينجح الجنود في إسقاط طائرة ألمانية. ويشاء الحظ أن تنجو من الطائرة مجنّدة ألمانية جميلة يأسرها الجنود، وبعد التحقيق معها يتضح لهم أنَّها مغربية اسمها “ميلودة” ذهبت إلى ألمانيا قبل الحرب لتبحث عن والدها، والذي ظنت أمها وعائلته أنه توفي في سجون ألمانيا ولكن البنت لم تفقد الأمل في العثور عليه، وأوهمت الألمان بأنَّها رجل اسمه “ميلود” وبعد قيام الحرب تم تجنيدها وأرسلت للتجسس على الكتيبة المغربية على اعتبار أنَّها من أصل مغربي.

وجود امرأة جميلة وسط جنود محاصرين يعانون الكبت والعزلة عن العالم، كان بمثابة قنبلة على وشك الانفجار وسطهم، كما عبّر عن ذلك الجنود، وأخذت المسرحية اسمها من هذا التعبير العفوي للجنود، وأخذوا يتوددون إليها بالدفاع عنها كمواطنة مغربية، ولم يعاملوها كأسيرة ألمانية، حيث كانوا يجاملونها باقتسام طعامهم البسيط معها.

ووسط هذه المشاعر تجاه الأنثى خلق المخرج مسرح فودافيل اجتماعيا ضاحكا ذا قيم اجتماعية راقية أضحك الجمهور وخاطب مواطنتهم المغربية، حيث أجادتْ فاطمة خير تمثيل ثلاثة أدوار في المسرحية دفعة واحدة وهي تباعا: دور المجندة الألمانية، العجوز والشاب.

وفي مسرحية “قنبولة ديال الضحك” كثرت مدلولات القنبلة، فمنها ما له علاقة بالأنثى في وسط ذكوري، وما ترمز إليه القنبلة من مدلولات مخاطر الموت للجنود، ومنها ما يرمز إليه ديكور المسرحية من شباك تمويه وأكياس رمل لاتقاء الشظايا وعصف انفجارات القنابل.

ويبقى المشهد الأخير من المسرحية مجسدا في الذاكرة طويلا، ضمن سينوغرافيا دالة مثلت انتهاء الحرب، ومشهد المغاربة الذين قاتلوا دفاعا عن فرنسا وقد غدوا شيوخا بائسين، وهم يراجعون المصالح الفرنسية للحصول على رواتبهم التقاعدية.

16