مسرحية "نبض" لمأمون خطيب: الثكالى يبكين سوريا

الجمعة 2014/05/02
نحيب ثلاثي لأمهات سرقت الحرب أكبادهن

دمشق – ينهال الموت مكتسحا تفاصيل الشعب السوري، لم يعد حدثا مفاجئا، أصبح عابرا يستلهم شِعره من حياتنا، الفقدان هو ما يحكم السوريين الآن، وأكثرنا قدرة على ترويض الخسارات هم أكثرنا فقدانا.

على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، يقدم المخرج السوري مأمون خطيب مسرحية (نبض) نصا وإخراجا. مسرحيّة من بطولة؛ نسرين فندي، هناء نصور، رنا جمول، يروي من خلالها خطيب قصة ثلاث نساء، فقدت كلّ واحدة منهنّ ابنا أو اثنين أو أكثر. هي مسرحيّة تتكثف من خلالها التفاصيل اليومية التي يعيشها أولئك الّذين ينتظرون عودة أبنائهم أحياء كانوا أو أمواتا.

العرض يبدأ في حديقة عامة في دمشق، تحوي حقيبة سفر هي آخر ما تبقى للأم من مأوى وذكرى بعد أن فقدت ابنتها واستعاضت عنها بدمية، المكان عام ومشترك بين الجميع، هو مستقر للعابرين واللاجئين الذين فقدوا أعز ما يملكون، الخريف والأوراق المتساقطة تضفي على الفضاء حسا يوحي بالرحيل الذي يشترك فيه جميع سكان المدينة، ومن بعيد ينتصب قاسيون شاهدا على ما يحدث في دمشق. يبدأ العرض بخروج أولى الممثلات/الأمهات (نسرين فندي) من الحقيبة، المكان المغلق الوحيد الذي تمتلكه بعد فقدانها لمنزلها إثر القصف، تخرج لتعيد تكوين الحديقة بوصفها الحيز الآمن لها، فالشجرة لنشرالثياب ومقاعد الحديقة مألوفة وتفاصيلها لم تعد حكرا على الغرباء.

تدخل بعدها الممثلة/الأم (هناء نصور) لتقدم بعض الطعام والثياب للاجئة في الحديقة، على الرغم من صيغة الاختلاف بين الامرأتين وانضمام الممثلة/الأم الثالثة (رنا جمول) لهما -تمثل الطبقة الغنية-، نلاحظ أنّهن يُوحدهن المكان وعاطفة الأمومة، الأعمق من ذلك، الفقدان، ذاك الذي ضرب حيواتهنّ وأخذ منهن أغلى ما كنّ يمتلكن، الابناء.

الأولى فقدت ابنتها أثناء هروبها من القصف، أما زوجها فقد انضم إلى جماعات الإسلاميين، والثانية فقدت ثلاثة من أبنائها، أما الثالثة فقدت ابنها الوحيد (فادي)، ذاك الّذي بذلت عمرا في سبيله.

تتداخل التيارات والمواقف، بين معارض ومؤيد، أيّا كان الطرف فالنتيجة هي الفقدان، الموت يأخذ شكلا واضحا أمامنا، يحافظ على حضوره المتمثل في انتظاره، البطلات يقفن عاجزات أمام ما يحدث، الموت اقتنص فلذات أكبادهن والآن هن بانتظار اليقين، اليقين ليس بالموت ذاته، بل بإدراكه، يحملن هواتفهن النقالة بانتظار الخبر. لا يكفي أن يدركن الموت ولا أن يسمعن من شهده، عليهن أن يعاينّ الأمر بأعينهنّ.

الفصام يحكم الأمهات الثلاث، عاطفة الأم تتجاوز صدمة الفقدان وتتعلق بالأمل، معيدة تكوين حضور ما فقدنه متخيلا أمامهن، الانتظار يحمل بعضا من خصائص العبث، حيث تستثني الأمهات ما فقد، ويبقين عليه بالذكريات عبر الحوار الذي يعيد إنتاجه، الذكريات حاضرة في كلّ لحظة ومع كل أنين، المتخيل عاجز أمام الحقيقي.

17