مسرحي يكشف للجمهور ماذا يعني دخول "جنة الإرهابيين"

المخرج المسرحي خالد جلال اختار طريقه في مجال الإخراج ثم صناعة النجوم من الشباب، ليصبح اليوم صيادا محترفا يجيد اختيار المواهب.
السبت 2018/03/10
خالد جلال قناص مواهب مصري يتهكم على المسكوت عنه

شهدت مسرحية “سلّم نفسك” إقبالا منقطع النظير من قبل الجمهور المصري بشرائحه المختلفة، وتم الاحتفاء بأبطالها الهواة الذين “سلموا أنفسهم” حقاً، لصانع نجوم من نمط فريد في ورشة تدريب وتنمية وصقل المواهب، فنالت مسرحيتهم هذه، حظا موفورا من إعجاب الوسط الفني والمسرحي، وتوالت عليها الإطراءات النقدية من كبار وشباب النقاد في مصر، فتوّج هذا النجاح، مؤخرا، بفوز العرض وأبطاله بإشادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن شاهده بصحبة ضيفه الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية في أثناء زيارته لمصر مؤخرا.

“الحلم والإصرار عليه هو السر، فصناعة البني آدم هو مشروع حياتي، ولا أتنازل عنه أمام أي منصب أو أي عمل تجاري حتى لو في مقابله الملايين من الجنيهات”. هذا ما يقوله المخرج المصري خالد جلال عن سر نجاحه وتأثيره على الساحة الثقافية. بعد أن اختار الرئيس السيسي مجموعة الشباب، وأغلبهم في العشرينات من عمرهم ليكونوا أول دفعة تلتحق بقسم الإبداع بالأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الكوادر الشبابية في المجالات المختلفة المنشأة حديثا.

حالة من السعادة والنشوة والفخر والتقدير الكبير طغت على جنبات المسرح الذي قدّمت فيه “سلم نفسك”، أمام نخبة مجتمع الفن والثقافة في مصر ونحو 500 شابة وشاب، ليشعر أبطالها الشباب من هواة المسرح أن ما حدث نقطة تحوّل حقيقية في حياتهم.

نجوم “سلم نفسك” من الشباب ليسوا أول أنتاج لـ“مشروع عمر” جلال، مدير قطاع الإنتاج الثقافي بوزارة الثقافة والمشرف على مركز الإبداع الذي أطلق فكرته في عام 2002. فقد بدأ مشروعه منذ أعوام طويلة. حين قرر الشاب الجامعي أن يختار طريقه في مجال الإخراج ثم صناعة النجوم من الشباب، ليصبح اليوم صيادا محترفا يجيد اختيار المواهب من بين المئات والآلاف من المتقدّمين، ثم يقدّم لهم خلاصة تجربته بمشاركة مجموعة متميّزة من الفنانين المحترفين، كل في مجاله، بحرص هائل على تنمية روح الجماعة بين فريق العمل.

عرفته عن كثب منذ سنوات وهو يقدّم لجمهوره في مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا أبناءه، كما يردّد هو دائما، أبطال مسرحية “قهوة سادة”، التي كانت تناقش الكثير من القضايا التي تمسّ المجتمع المصري واندثار القيم والمعاني الجميلة في حياتنا في لوحات كوميدية شيّقة.

عرض جلال الجديد يتناول فيه مشاكل مصر بصورة متهكمة ساخرة، عبر لوحات متتالية، لا تترك المتفرج بحاله، بل تشده من صورة إلى صورة أخرى طيلة دقائق المسرحية، من خلال حكاية سقوط شخص من كوكب الأرض بما يحمله من أمراض اجتماعية إلى مجتمع مثالي

مسرحية امتد عرضها 365 يوما في مصر وخارجها، وهو رقم كبير من الأيام، عندما نعرف أن هناك مسرحيات مصرية كانت تعرض ولا تتجاوز أيام عرضها الأسبوع الواحد، ثم تتوقف لضعف إقبال الجماهير، بينما يواصل جلال زحفه ومسرحياته نحو القمة في هدوء، مع أن ميزانيتها لم تتجاوز 25 ألف جنيه، أي نحو 1350 دولارا، وكان ذلك عام 2008.

كانت تلك الدفعة من الممثلين مفرخة لعدد من النجوم البارزين حاليا على الساحة الفنية ومنهم: محمد فراج ومحمد ممدوح ومريم السكر وأمير صلاح ومحمد فهيم ومحمد سلام وغيرهم، كما تخرّج قبلهم من الدفعة الأولى بيومي فؤاد ونضال الشافعي وسامح حسين وإيمان سيد ومحمد شاهين وياسر الطوبجي وعدد كبير من النجوم اللامعين الآن في الساحة الفنية المصرية.

كمّ هائل من التواصل والتناغم والتفاهم الإنساني، ما بين الممثلين والجمهور، تنعكس آثاره في تفجير الطاقة الإبداعية لدى الشباب وألهبت القاعة تصفيقا وتشجيعا من جمهور تحقّق له قدر كبير من البهجة والمتعة والشحن المعنوي.

تفاعل الجمهور الفريد

طاقة شحن معنوي لا يمنحها جلال المبدع والإنسان بقدرته الهائلة على العطاء لأبنائه فقط من الممثلين، لكنه أيضا يقدّمها للجمهور من خلال عروض يحرص ألاّ تكون فقط للتسلية والمتعة فقط، لكن يهدف أن توجه وتضيء الطريق للناس، خاصة عندما تلتبس على الناس الأمور يجب أن يكون هناك فن يوضح ويوجّه ويفهم.

كنت قبلها أقرأ وأسمع كثيرا عن “الحالة” التي يمثّلها جلال، خاصة من الناقدة وعاشقة المسرح مي سليم، وإلى أي مدى هو طاقة إبداع وفيض عطاء لا ينضب. فهو منذ بداياته موهبة لافتة للانتباه ومثيرة للإعجاب لدى الكثيرين. تقول عنه الناقدة آمال بكير “إن موهبة جلال كانت واضحة وضوح الشمس منذ اللحظة الأولى. هذه الموهبة هي التي أوصلته إلى كل هذا النجاح اليوم، ورغم وصوله إلى منصب وكيل أول وزارة ورئيس قطاع الإنتاج الثقافي، فإن جلال المخرج والممثل هو اللقب الأحبّ والأقرب إلى قلبي”.

بدأ مشواره في مسرح الجامعة، وتتلمذ على أيدي أساتذة كبار منهم، سناء شافع الذي أصرّ على إلحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية إيمانا بموهبته وهاني مطاوع الذي قدّمه للجنة الاختبار بعد ذلك باعتباره أحسن مخرج في مصر، بل وتنبّأ له بأنه سيكون مثل الفنان كرم مطاوع، رغم أن اللجنة كانت تضم قامتين كبيرتين هما الفنانان سعد أردش ونبيل الألفي.

ويعتبر جلال أن الفنان كرم مطاوع بالنسبة له مثلا أعلى بالفعل لأنه يملك ميزتين هما النجومية والعلم، وهي مزايا من النادر أن نجدها اليوم، فإذا حضرت النجومية اختفى العلم أو العكس.

مسرح الغد

مسرحية “سلم نفسك” يتوج نجاحها، بإشادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن شاهدها صحبة ضيفه الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية أثناء زيارته لمصر قبل أيام
مسرحية “سلم نفسك” يتوج نجاحها، بإشادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن شاهدها صحبة ضيفه الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية أثناء زيارته لمصر قبل أيام

أخرج جلال مسرحيات للجامعات وفي هذه المرحلة كوّن فرقة شبابية مسرحية مستقلة وعمل فترة في الفرق المستقلة، قبل التحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ثم ذهب في منحة دراسية إلى روما، وعاد بعدها ليتولّى إدارة مسرح الشباب وكوّن أكبر ورشة لتدريب الشباب، وهو نموذج مصغّر لمركز الإبداع الفني، ووقتها كانت الظروف صعبة لأن مسرح الشباب لم يكن له دار عرض فكان يعرض في الحدائق والبيوت الأثرية وفي أماكن متعدّدة.

استطاع بعد عامين حصد الجائزة الأولى في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وظل 10 سنوات يتولّى مسؤولية مسرح الشباب وظل الحلم مستمرا بمشاركة عدد كبير من الشباب وأنتجوا أكثر من 60 عملا مسرحيا كل فريقهم بالكامل من الشباب.

انتقل لإدارة مسرح الغد، تلاه مسرح مركز الإبداع الفني وهنا بدأت تتبلور التجربة مع الشباب لتنفّذ بشكله الصحيح في المركز، وعمل دراسة جدوى لفكرة مركز لتدريب وصقل المواهب الفنية، وبدأ خطوات حقيقية لتنفيذ حلمه.

يقول جلال لـ“العرب” شارحا مسار تجربته المميزة “كنت وقتها أخرج في القطاع الخاص وكانت لي علاقات مع فنانين ومخرجين مشهورين، فبدأ هؤلاء يكرّسون جزءا من وقتهم ليأتوا لمشاهدة طلبة مركز الإبداع الفني، وبدأت تنتشر فكرة أن مجموعة من الشباب يتدرّبون على التمثيل والغناء والاستعراضات والسلوكيات بمشاركة مجموعة من الأساتذة والفنانين مثل ناجي شاكر وعصام السيد ونجاة علي وعماد الرشيدي ونعيمة عجمي وهيثم الخميسي”.

ويضيف صاحب الماكينة الضخمة لإنتاج المواهب “كلهم يدرسون في أماكن أخرى، لكن روح مركز الإبداع مختلفة تماما فلم يسأل أحدهم يوما كم سأتقاضى من المال؟ أو متى أو لماذا؟ لأنهم صدّقوا الحلم واقتنعوا به، وأن الجائزة الحقيقية لنا جميعا هي مشاهدة صور أولادنا في المركز على أفيشات الأعمال الدرامية في كل مكان. كأنك تصنع فنانا في المدينة الفاضلة، لكن في نفس الوقت تنبّهه أن الحياة العملية ليست وردية في الخارج وأنه قد يصطدم بالواقع التجاري وتعرّفه كيف يتعامل لكن دون أن يغيّر من قناعاته أو المستوى الفني الذي يقدّمه”.

تخرّج من الدفعة الأولى والثانية عدد كبير من النجوم الحاليين، ثم أضيف نوع دراسي آخر للشباب بمصروفات تخرّج منهم مجموعة لمعت جدا مؤخرا مثل نور قدري ومحمد عز ومحمود الليثي.

ثم الدفعة الأخيرة التي قدّمت عرض “سلم نفسك” وهو العرض الذي تجاوز كل العروض حظا وإقبالا واحتفاء، رغم أن ميزانيته 80 ألف جنيه فقط، أي ما يعادل 5 آلاف دولار.

حين كان جلال مديرا لصندوق التنمية الثقافية، اشترط عدم التخلّي عن مركز الإبداع بل قام بدعمه، وتكرّر الموقف مع مسؤوليته عن قطاع الإنتاج الثقافي، وهنا يبرز الفنان المسؤول لا الموظف الكسول. وقد تعجّب كثيرون من رفضه تولّي مسؤولية إدارة البيت الفني للمسرح، والتمسّك، كما يقولون، بمسرح صغير به مئة مقعد فقط.

لكنّ جلال يردد دائما أنه متمسك بهذا المسرح “لأنه أهم من كل المسارح. ولو لم يكن مركز الإبداع موجودا، لما عملت المسارح، فالميديا تعمل بالبشر، وهنا معمل لتفريخ هؤلاء من ممثلين ومخرجين ومصممي ديكور وأزياء، ومنهم الآن كثير من المخرجين المميّزين مثل إسلام إمام وهاني عفيفي، ومن مصممات الأزياء مثل مروة عودة”.

ماذا تقول "سلم نفسك"؟

يصف جلال لـ“العرب” أن أسعد لحظات حياته وهو يسير فوق أحد جسور القاهرة الكبرى ويرى أفيشا لأحد النجوم من أبنائه، خرّيجي مركز الإبداع. دون أن يشعر بأي غضاضة بأن يكونوا أكثر منه شهرة، فهو دائما يسميهم أولاده، بغض النظر عن الفروق العمرية، لأن الأبناء، كما يقول، هم الوحيدون الذين نتمنى أن نراهم أفضل منّا.

مشواره الفني يعود إلى مسرح الجامعة. ففيه تتلمذ على أيدي أساتذة كبار منهم سناء شافع الذي أصر على إلحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهاني مطاوع الذي قدمه للجنة الاختبار بعد ذلك باعتباره أحسن مخرج في مصر، رغم أن اللجنة كانت تضم قامتين كبيرتين هما سعد أردش ونبيل الألفي

ويذكر أنه في أثناء تكريمه في إحدى القنوات الفضائية الخاصة في مصر، بين عدد من الشخصيات الملهمة، كان أكثر سعادة بعرض “إعلانات” مسلسلات رمضان على نفس القناة وقتها من جهات إنتاجية مختلفة، جميع نجومها من أبناء مركز الإبداع، وهو ما يعني، كما يقول، أن التكريم مستحق.

الثروة البشرية بالنسبة له أهم شيء، وحلم تنميتها وصقلها مشروع حياته حتى لو كان على حساب نفسه، كمخرج وكاتب وممثّل أيضا متميّز، فآخر مسرحياته على مسرح الدولة كانت “الإسكافي ملكا” عام 2008. وحين بدأ فى كتابة مسلسل “هربانة منها” الذي عرض في رمضان الماضي، طلب في نصفه الثاني مساعدة آخرين لأنه لا يمتلك وقتا لكتابة 30 حلقة كاملة.

يتمنّى صاحب المشروع- الحلم، وجود مدينة حقيقية متخصّصة لصناعة المبدعين، وأن يوجد مركز إبداع في كل المجالات، وأشخاص مهرة يصدّقون الحلم ويحرصون على نقل خبراتهم إلى الأجيال الأخرى. يقول إنه “بين المئة مليون مصري، من المؤكد، وجود 4 أو 5 ملايين عبقريّ، ما علينا سوى اكتشافهم وتنميتهم وصقل مواهبهم وإمكاناتهم وتدريبهم بشكل صحيح، لنستطيع تحقيق التقدّم والأمان لمصر”.

يؤمن جلال بأن توجيه الرئيس السيسي بترشيح شباب “سلم نفسك” ليكونوا نواة قسم الإبداع في الأكاديمية الوطنية لتدريب الكوادر سيكون خطوة هامة ونقلة في الحياة الفنية في مصر وثمرة عظيمة من ثمار الحلم، وربما تكون هذه الخطوة جاءت لأن الرئيس المصري حضر وضيفه هذه المسرحية، ما يفسّر أحد الأسرار الكامنة في القوة الناعمة المصرية التي إذا وجدت رعاية وإيمانا بالهدف وأصرّت على تحقيقه، فمن الممكن أن تحقق الانطلاق، ولو بأقل الإمكانيات.

وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم سلّطت الأضواء على هذه المسرحية، وطلبت من جلال أن يتجوّل بها على المحافظات المصرية المختلفة. مدة عرضها ساعتان، يتقلب المشاهد فيهما ما بين المشاعر العديدة والمتناقضة، فرحًا وحزناً وتوجساً.

وفي هذا العرض يتناول جلال مشاكل مصر بصورة متهكّمة ساخرة، عبر لوحات متتالية، لا تترك المتفرّج بحاله، بل تشدّه من صورة إلى صورة أخرى طيلة دقائق المسرحية، من خلال حكاية سقوط شخص من كوكب الأرض بما يحمله من أمراض اجتماعية إلى مجتمع مثالي. حيث تتناول “سلم نفسك” حالة التشتّت الجماعي التي يعانيها المجتمع منذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، والشائعات التي تضرب الكثير من الأمور بجانب تناول ظاهرة التحرّش والتي تهدّد نصف المجتمع، وتتناول كذلك أزمة الإرهاب بشكل هزلي مستغلة أحد الإعلانات القديمة الذي سيتحوّل إلى أغنية خاصة بهذا المشهد وهي “لو نفسك تدخل الجنة. وحاسس إنك محتار. اتصل بنا تتهنى”.

12