مسرح آكل للحوم البشر عسير الهضم ووقح

المسرحي الإسباني خوسيه مورينو أريناس يحوّل خشبته إلى مرآة مقعرة.
الجمعة 2021/02/26
مرآة تعيد صور من ينظرون فيها مشوهة

يمتاز المسرح الإسباني بقوة نصوصه وتمثلاته المكثفة التي تشبه عوالم شعرية، عوالم مقتضبة وواضحة المعالم ساخرة وماكرة ما لا تقوله أكثر مما تقوله. ولا يشذ الكاتب المسرحي الإسباني خوسيه مورينو أريناس عن هذا التصور بل يذهب فيه بعيدا إلى درجة تحويل العادي إلى مسرح، قد يضحك ولكنه يخفي مرارة لاذعة.

ينفتح مسرح الكاتب الإسباني خوسيه مورينو أريناس على القضايا المجتمعية التي تشكل هما إنسانيا عاما، ويعالجها انطلاقا من رؤية ومعالجة فنيتين شديدتي الخصوصية، تجعلان من شخوصه على تماس مباشر مع الجمهور من ثمة تحريضه على المشاركة الفكرية والوجدانية.

أعمال أريناس “المرآب”، أو “الجراج”، و”الشاطئ” و”رحلة سفاري” التي ترجمت إلى عدة لغات وعرضت على مسارح العديد من الدول الأوربية، وضمها الكتاب الصادر أخيرا بعنوان “مسرح الهجرة” عن دار العين بالقاهرة بترجمة وتقديم خالد سالم وتوطئة الكاتب المسرحي الإسباني خيرونيمو لوبيث موثر، تعد نموذجا كاشفا لتشكيلات العالم المسرحي لأريناس الذي يؤكد أنه “مهما بدت بعض المشاهد في مسرحي أنها غير واقعية أو غير مستقرة فإن المشاهد سيكون لديه دائما إحساس بأنها قريبة منه وأنه قد عاشها في لحظة ما”.

المسرح الوقح

في توطئته يقول خيرونيمو لوبيث موثر “ربما فكر أريناس في المحيطين به عندما كتب هذه المسرحيات، من هنا نجد أن القضايا التي عالجها ترتبط بمن تعنيهم، الموجهة إليهم. وهذا لا يعني أنه في قرارة نفسه لا يطمح أن تصل أعماله إلى أقصى أرجاء العالم. ولحسن الحظ من أجل تحقيق ذلك لم يتخل عن الكتابة عما هو قريب منه ويعرفه معرفة جيدة، الكتابة عن قضايا شاردة وهي ظاهريا ذات أهمية عامة. ومعروف أن الوصول إلى العالمية يأتي مما هو محلي. الأمثلة كثيرة ويكفي أن نشير إلى دون كيخوتي الذي وضع حبكة مؤلفه ثيربانتيس في منطقة إسبانية اسمها لاماتشا، واليوم أصبح بطلها إرثا للإنسانية”.

مسرح أريناس يكشف عن مواقف غير نموذجية بينما يحافظ على ما هو معتاد فيه من روح الدعابة والسخرية
مسرح أريناس يكشف عن مواقف غير نموذجية بينما يحافظ على ما هو معتاد فيه من روح الدعابة والسخرية

ويلفت إلى نوع الأشخاص الذين يسكنون مسرح أريناس قائلا “إنه يجندهم من الشارع، من المتاجر، من الكافتيريات، من المكاتب، من مواقف السيارات، من المزارع، من الشواطئ ومن كل فضاء مخصص لقضاء وقت الفراغ. شكل التعبير أو السياق الاجتماعي والثقافي الذي يتحركون فيه سياق إسباني بحت، إلى درجة أن الكثير من القراء أو المشاهدين يتعرفون من خلال الشخوص المسرحية على أناس معروفين يعيشون في محيطهم وليس لديّ أدنى شك في أن أكثر من واحد في قرارة نفسه يجد صورته في هذه الشخوص. وجون ب.غابريلي، دارس مسرح مؤلفنا، أشار إلى أن الحبكات والتراكيب العاطفية والاجتماعية والسياسية والعائلية التي يطرحها هي نفسها التي تنتج خارجه”.

ويؤكد خيرونيمو أنه عندما تُمثل أعمال أريناس في إسبانيا فإن خشبة المسرح تتحول إلى مرآة تنعكس فيها صورة الجمهور. وهنا يستبق الأحداث ليوضح أنها ليست مرآة مسطحة كتلك التي لدينا في بيوتنا، بل هي مقعرة تعيد صور من ينظرون فيها مشوهة. هكذا كانت الموجودة في واجهة محل حدائد في مدريد، كانت موضوع استلهام لكاتب مسرحي إسباني آخر هو بايي إنكلان فأبدع ما أطلق عليه اسم “الإسبرينتو”. لم يخترع هو هذه الكلمة إذ كانت تطلق على الأشخاص الغرباء والأشياء أو المواقف الغريبة أو الشاذة، بل أخذها من القواميس كي يقدم لأغراض أدبية صورة مشوهة للواقع، مثيرة للسخرية، شاذة، وفي بعض الأحيان مثيرة للشفقة. وهو ما يشبه ما يفعله أريناس في أعماله وإن استخدم ألفاظا أخرى لتعريفها جماليا، مثل المسرح الآكل لحوم البشر أو عسير الهضم أو الوقح.

ويشير خيرونيمو إلى أن أحداث مسرحية “رحلة سفاري” لأريناس تجري في مكان في قلب أفريقيا، بين زوجين واحد من الجنس الأبيض والآخر من السكان الأصليين. وعلى العكس من ذلك فإن الخط الجامع لمسرحيتي “الجراج” و”الشاطئ” ليس سوى المهاجرين، وهو أمر يعني إسبانيا كونها تتلقى المهاجرين والعديد من الدول الأفريقية كونها مصدر هؤلاء المهاجرين.

ومن الملفت للنظر أن لا بطلَ من كلا المسرحيتين هكذا.

وفي المسرحية المعنونة بـ”الجراج” تجري الأحداث في مسرح، والشخص الرئيسي مواطن إسباني يشغل مقعدا في صالة المسرح، وفي “الشاطئ” نجد مصطافا يستمتع بيوم راحة في شاطئ في إقليم الأندلس، وهو شاطئ من بين الشواطئ الكثيرة التي يصلها موتى أو أحياء أولئك الذين يغامرون بعبور البحر المتوسط هروبا من أخطار الحرب أو بحثا عن حياة أفضل.

تركز اهتمام أريناس على تصرف الإسبان أمام حضور الآخر، حيث يشير في هذه الحالة إلى الغريب بلا موارد الذي جاء دون استدعائه. جليّ أننا لسنا كلنا مثل الغرباء الذين يصورهم، لكنهم موجودون، وليسوا متعوّدين على ألا يُلاحظوا، وهي أسباب أكثر من كافية لوضعهم على رأس المشهد. والمسرح هكذا يفي بوظيفته، وهي الكشف عن مواقف غير نموذجية، وأي جنس درامي يصلح لهذه المهام.

وما يتعلق بالمسرحيات الثلاث نجد أن أريناس لم يبتعد عما هو معتاد فيه وهو روح الدعابة والسخرية، وسخريته ليست خاصة بالمسرحيات المستحبة بل هي معروفة بأنها سوداء نتيجة تشويه الواقع للحصول على مواقف درامية أو مهمة تثير الضحك. إنه ضحك مر لأننا بمجرد رسمه نريد أن نمحوه، فمما يثيرنا كجمهور التعبيرات العنصرية المبالغ فيها والجارحة وحالات التعصب التي يبديها الأبطال.

أعمال مقتضبة

مسرح أريناس يكشف عن مواقف غير نموذجية بينما يحافظ على ما هو معتاد فيه من روح الدعابة والسخرية
مسرح أريناس يكشف عن مواقف غير نموذجية بينما يحافظ على ما هو معتاد فيه من روح الدعابة والسخرية

يرى المترجم خالد سالم في دراسته حول مسرح أريناس، والتي جاءت كمقدمة تحت عنوان “مسرح أريناس بين السخرية والميتاتياترو”، أن رسائل المسرحيات الثلاث تولج في هذا العالم، فتضع خطا مرئيا تحت مشكلات المجتمع المعاصر مع مسحة من السخرية والانغماس في تقنية المسرح داخل المسرح. أريناس يحملك لأول وهلة إلى عالم غرناطة الأندلسية بقسمات وجهه المتمازجة، تجمع بين الشرق والغرب، ليبدو وكأنه خرج من مجلس الحكم في قصر الحمراء، فهو من بلدة البلوط من أعمال غرناطة في إقليم الأندلس، جنوبي إسبانيا وقد بدت عليه آثار العز والثراء”.

ويضيف أن الفترة الانتقالية في السياسة الإسبانية بعد وفاة الجنرال فرانكو في نوفمبر 1975 تركت بصماتها على أريناس وعلى مجايليه إذ كان في ريعان شبابه، وهي الفترة التي كانت لبنة وفاتحة الديمقراطية التي تعيشها إسبانيا اليوم بعد أربعة عقود من الحرب الأهلية والدكتاتورية في ظل نظام الطاغية فرانكو.

 ويتسم الكاتب بغزارة إنتاجه المسرحي، وتتواصل نصوصه بطروحات المسرح السريالي والعبثي أو اللامعقول على طريقة المسرحي الإسباني رامون بايي إنكلان مع نقد عميق لعبثية الترف الإنساني، ويتواصل من خلال هذا المنحى مع الجديد على خطى إيونيسكو ومغيل ميورا وفرناند أزبال وفرنثيسكو مارتينيث باييستيروس، كما يلاحظ دارس نصوصه أنها تنم عن حالة من الدهشة كوسيلة لكسر الفكر الأوحد الذي يهدد حياة الإنسان ويحاضرها.

ويقول سالم إن أريناس يشير إلى أن “مسرحه مرآة تعكس ظلال أشخاص يحاولون البقاء على قيد الحياة في مجتمع يحيط به هو شخصيا ويشارك فيه، وسط أقوال مطروقة وقوالب اجتماعية مؤطرة سلفا”.

كشف تشكيلات العالم المسرحي لأريناس
كشف تشكيلات العالم المسرحي لأريناس

 ويدرك المتلقي أن شخوص أريناس تتحرك في عالم غير حقيقي، متشظ وغير مستقر، إلا أنه يدرك في الوقت نفسه وجود واقعية كامنة في أعماله، ما يحيل إلى نوع من التناقض. غير أنه في المقابلة نفسها ينفي انتماء شخوصه إلى عالم سريالي متشظ وغير مستقر، فهذا انطباع وليس واقعا حقيقيا لها، ويصعب على الإنسان تصديق ما يحدث في العالم، في المجتمع الذي بنيناه بين الجميع، فقد خلقنا تعايشا قائما على البشاعة والسريالية والقبح، وهو ما يطلق عليه أريناس “عبثية الواقع”. وهو مفهوم كامن في مسرحياته، إذ تشرب من عبثية التصرفات الإنسانية، ولهذا فإنه يرى أن من الطبيعي أن يلاحظ المتلقي واقعية كامنة على هذه الأسس مهما بدا بعضها غير واقعي أو خياليا و”مهما بدت بعض المشاهد في مسرحي أنها غير واقعية، فإن المشاهد سيكون لديه دائما إحساس بأنها قريبة منه، وأنه قد عايشها في لحظة ما”.

ويخلص إلى أن مسرحيات أريناس القصيرة موضوعاتها وحبكاتها تميل إلى أقصى حد من الاقتضاب، إلا أن تعقدها وبعدها واسعان إلى أبعد الحدود. والحبكة وحيدة وقصيرة في حين أن المضمون موجز ويسير في اتجاه واحد خطي، وتتجلى الفكرة في جوهرها مجردة، بلا إضافات فائضة.

يستغني أريناس عما هو حشو وتكميلي، عن كل ما من شأنه أن ينحرف بالانتباه، وفي هذا السياق يظهر إيقاع العمل المسرحي سريعا، وتجري الأحداث وتدور في عجلة دون استمرارية، وهنا يصبح زمن الحبكة قصيرا.

كل هذا يحدث بغية التأثير في المشاهد أو القارئ قدر الإمكان، فيصبح مجبرا على تخطي حدود الاكتفاء بمشاهدة ما يقع على خشبة المسرح، أو بين صفحات المسرحية التي بين يديه. يقدم أريناس الحافز الذي من شأنه أن يثير ردة فعل المتلقي، وهنا نجد أن البحث عن أكبر كفاءة يدفع نحو الاقتضاب ويؤدي إلى أكبر قدر من الكفاءة، ويصبح المتلقي في مواجهة مقترح الاقتضاب والمباشرة معا، ولا يظل أمامه مخرج سوى ردة الفعل التي تقوم على المشاركة وإبداء الرأي والإعراب عن موقف.

ويوضح سالم أن أريناس يتمتع بروح لاذعة وساخرة، وهي إحدى صفات أهل إقليم الأندلس جنوبي إسبانيا. وهو ما قد يفسره البعض على أنه عنصرية، إذ يلجأ إلى هذه الميزة الأندلسية ليقول ما يريد في لغة تشي بالمشكلات الاجتماعية، بغية الكشف عن العنصريين والتدليل على وجودهم في المجتمع الإسباني عند معالجة قضايا المهاجرين الوافدين إلى إسبانيا في تسعينات القرن الماضي والسنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين. ومن هذه الروح الساخرة واللاذعة خرج مسرحه الرمزي، أعماله اللوذعية ذات المواقف الحادة الملامسة للهراء، والتي تشكل هجموما ضاريا على المؤسسة، على ما هو متعارف عليه من ثوابت وقوالب جامدة.

ويتجلى هذا المزج بين السخرية واللوذعية في “الشاطئ” وعنوانها بالإسبانية “Te vas a ver negro” (سوف تصبح أسود). واستعراضه لهذه المشكلة، مشكلة الهجرة، كان لفضح عنصرية البعض مع أن قطاعا عريضا من الشعب الإسباني هاجر في خمسينات القرن العشرين وستيناته وسبعيناته. وينطلق المؤلف في جرأته في طرح إشكالية تشغل المجتمع من منطلق أنه لا يمكن قتل الرسول حامل الرسالة، أي المؤلف، “فقد كتبت عما يحيط بي، ما أراه حولي”. والعنوان الأصلي للمسرحية يعني إثارة الغضب، لكن المؤلف يترك الباب مفتوحا أمام التلاعب باللون الأسود، لون المهاجرين الذين يطلون على الشاطئ بهجرتهم غير القانونية حيث تدور أحداث المسرحية.

المسرحي يجند شخوصه من الشارع، من المتاجر والكافتيريات والمكاتب ومواقف السيارات والمزارع والشواطئ ومن كل فضاء متاح
المسرحي يجند شخوصه من الشارع، من المتاجر والكافتيريات والمكاتب ومواقف السيارات والمزارع والشواطئ ومن كل فضاء متاح

 

15