مسرح الشباب يغزو الفضاء ويرصد نهاية العالم

"سيمفونية القطة العمياء".. كوميديا فانتازية تصوّر انقراض الإنسان بفعل العنف والظلم والكراهية وأسلحة الدمار الشامل.
الأربعاء 2019/07/24
الفضاء ينتصر على الإنسان (تصوير: محمد حسنين)

تتميز عروض الفرق المستقلة والهواة وتجارب المسرحيين الشباب في مصر بخروجها عن المألوف وكسرها قوانين اللعبة المسرحية التقليدية وجرأتها في طرح أفكار وصياغات ومعالجات غير نمطية، بما يزيد فرص نجاحها في التواصل مع الجمهور وقدرتها على التأثير الإيجابي وتوصيل الرسائل الفنية والاجتماعية. من هذه العروض التي ارتادت دروب المغامرة حد الجنون، مسرحية “سيمفونية القطة العمياء”.

القاهرة – قدّم عرض “سيمفونية القطة العمياء” لفريق من المسرحيين الشباب بالقاهرة مغامرة فنية، بتصويره الحياة في كوكب آخر تسكنه كائنات فضائية بعد نهاية العالم وأفول نجم الإنسان.

قدمت “سيمفونية القطة العمياء” لفرقة ‎مسرح جامعة عين شمس‎، على خشبة مسرح “الهوسابير” في القاهرة مساء السبت (20 يوليو). وهذه المسرحية تعتبر تجربة فريدة تناولت أحداثًا خيالية في مكان ناءٍ وعصر لم يأتِ بعد، حيث لن يكون الإنسان هو سيّد الكون.

تميّزت المسرحية، الحاصلة على جوائز عدة في مهرجانات التمثيل المسرحي بالجامعة، بقدرتها على استيعاب الأفكار الجادة والجديدة وصهرها في قوالب فنية جمالية بسلاسة، دون الانزلاق إلى المباشرة التي لم يعد يتقبلها المتلقي المتشوق إلى فن صافٍ، ممتع وجاذب ومبتكر.

العرض المسرحي يراهن على بقاء العشق الصادق والفنون الرفيعة كقيم نبيلة تحفظ ذكرى البشرية من الزوال

من خلال دراما كوميدية فانتازية، جرى سبكها بعناية ورشاقة، تمكنت المسرحية من غزو الفضاء الخارجي واستشراف نهاية العالم، وأطلقت صيحات تحذيرية للجنس البشري الموشك على الفناء والانقراض، بفعل العنف والظلم والكراهية وأسلحة الدمار الشامل.

راهنت المسرحية على ما يتبقى من أثر البشرية بعد فنائها، معتبرة العشق والموسيقى قادرين على حفظ سيرة الإنسان الحقيقي، واسترجاعه بعد انقراضه، وهي من تأليف أحمد صبحي، ورؤية وإخراج وإضاءة باسل ممدوح، وديكور بهاء الشريف وهاجر عبدالقادر، وملابس هاجر كمال، وموسيقى أحمد نبيل، وبطولة محيي الدين وشذى أحمد وأحمد كرم وغيرهم من الشباب.

كائنات بديلة

في الكوكب النائي بعد نهاية العالم (تصوير: محمد حسنين)
في الكوكب النائي بعد نهاية العالم (تصوير: محمد حسنين)

على مدار تسعين دقيقة متصلة في مشهد واحد، رصدت المسرحية المصير البائس لمن تبقوا من البشر بعد نهاية العالم بسبب انفجار عنيف وتسرب إشعاعي عظيم جرّاء انخراط البشر في الحروب والاقتتال والتدمير دون تعقل أو إحساس بالمسؤولية أو استجابة لنداء الضمير والمشاعر الإنسانية.

بعد دمار العالم، وإظلام الكون، هبطت على الأرض كائنات فضائية على هيئة أشباح خضراء، وقام هؤلاء الزوّار باصطحاب عدد محدود من البشر معهم إلى كوكب مجهول في مكان قصيّ، وذلك بهدف محاولة الحفاظ على السلالة البشرية من الانقراض، بحماية هذه “العيّنة” العشوائية.

في المكان والزمان الأسطوريين، دارت وقائع المسرحية كلها، حيث سيطر الأشباح الفضائيون على عيّنتهم البشرية، وتمكنوا عبر تقنيات العلم المتفوقة من تهيئة الظروف الملائمة لحياة هؤلاء الأفراد من هواء ومأكل ومشرب وما إلى ذلك، لكن ظلت لغة التواصل مفتقدة بين الجانبين، وظل البشر تحت مراقبة الأشباح لقراءة وتسجيل ما يجري لهم من تطورات.

سيمفونية القطة العمياء

في العالم الجديد، كشف البشر المتبقون عن تفاصيل مأساتهم، التي أوصلتهم إلى هذا المأزق، فلولا التعصب والكراهية والجرائم غير الآدمية لما حدث ما حدث. وعبر دراما دافئة ومواقف كوميدية ومفارقات، اتضحت جوانب متعددة لشخصيات العرض، ومنهم موسيقار موهوب “أحمد” نشأت قصة حب رومانسية حالمة بينه وبين فتاة “سارة” منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها تبددت على صخرة الواقع القاسي والظروف الحياتية المناوئة، وتفرق الحبيبان.

من شخصيات “العيّنة البشرية” الأخرى، طفل وطفلة صغيران، ورجل مسلح له باع في ارتكاب جرائم القتل والسطو. كذلك، تحولت بعض الكائنات والأشياء والأدوات مما كان لها وجود على الأرض إلى شخصيات من لحم ودم، بإمكانها التحرك والتكلم والاشتراك في الأحداث فوق سطح الكوكب الجديد، وهي: “القطة العمياء” التي أنقذها أحمد ذات يوم من الموت، وصارت رفيقته، والبيانو، والكمان، اللذان يعزف عليهما مؤلفاته وسيمفونياته، والعروس الدمية، والآلة الكاتبة، وصرصار الحقل، الذي لم يبق غير أقرانه فوق سطح الأرض بعد فناء البشر.

تفجرت الأحداث الطريفة والمفارقات من خلال العلاقة بين أفراد العينة، بين بعضهم البعض، وبينهم وبين الأشباح الفضائية، المنخرطة في المراقبة والتسجيل والملاحظة والتحكم. والتقى أحمد، الذي فقد صوته من فرط ضعفه وعجزه، بحبيبته سارة، التي فقدت بدورها بصرها (مثلها مثل القطة الحبيسة في القفص). وبالرغم من عجز العاشقين، فإنه تعرف عليها بمجرد أن تشابكت أصابعهما، وعرفت أنه قد ألّف لها سيمفونية رائعة بعنوان “من أجل سارة”.

موسيقى الخلود

سيمفونية القطة العمياء

سعى المجرم المسلح إلى اختطاف سارة وتهديد أحمد بالمسدس، استجمع أحمد قوته وصرخ بأعلى صوته وهمّ للدفاع عنها، وهنا كشف أطباء الأشباح عن العملية الجراحية التي أجروها له في أحباله الصوتية، وأنه إذا استمر في التحدث مات على الفور، لكن أحمد لم يكترث بذلك، واستطرد مواصلًا حديثه لسارة معترفًا لها في أثناء نزيفه بحبه الصادق، وأنه يفضل الموت بين يديها على العيش بعيدًا عنها، كما حدث من قبل حال افتراقهما.

أبرزت المسرحية أن الخلود الحقيقي للإنسان ليس في بقاء صورته وجسده وهيكله، وإنما في بقاء عشقه وعصارة روحه وفنه الإبداعي، فما بقي من أحمد لن يعتريه النسيان، وسيظل وقودًا للطفلين الصغيرين وسلاحًا يدافعان به عن وجودهما واستمرارهما، لتبقى البشرية دون انقراض.

اتخذت المسرحية من الأحداث الدائرة مجالًا لتقديم رؤى فلسفية وأفكار متعمقة، حول الحياة والموت وطبيعة الذات الإنسانية ومغزى الوجود وجوهر الفنون والعلاقة بين الوهم والواقع، وغير ذلك من الأطروحات، وتخللت السرد والحوار عبارات بالغة الأثر والدلالة من قبيل “الأيام أصابع بيانو: يوم أسود، ويوم أبيض”، و”الحياة سيمفونية: لمسة ناعمة، تليها ضربة عنيفة”.

انقسمت لغة المسرحية بين العربية الفصحى في بعض مواضع السرد، والعامية المصرية في جانب من السرد، وفي الحوار كاملًا، ولعل استخدام الفصحى لم يشكل إضافة، خصوصًا أنها لم تُستخدم سوى في مواضع قليلة، لكن الأداء الإشاري والحركي والجسدي شكّل اللغة الأكثر تفوقًا في العرض، لاسيما عند تخاطب البشر والأشباح، فالجانبان لا يفهم أي منهما لغة الجانب الآخر.

جاءت الموسيقى على رأس العناصر المتفوقة في منظومة العرض المسرحي الزاخم، واشترك بعض الممثلين (منهم الموسيقار أحمد) في العزف “الحي” على الكمان والبيانو بمصاحبة الأحداث والمواقف الدرامية، واشتمل العرض على تقديم مقطوعات وتوزيعات سيمفونية، عالمية ومحلية، صعبة ومركّبة، منها أعمال لبيتهوفن.

قدّم الديكور ببراعة معالم الحياة في الكوكب الخرافي المظلم، المضاء بالكهارب والمصابيح الآلية لتعويض غياب الإشعاعات الشمسية، ورسمت الملابس شخصيات العينة البشرية من الآدميين، والكائنات والأشياء والأدوات التي تأنسنتْ بعد نقلها إلى الكوكب، كما لاءمت الأزياء الغريبة شخصيات الأشباح الفضائيين في عالمهم العجائبي الغامض.

اتسمت المسرحية بالتناسق والانسجام بين مكوناتها، وجاء المشهد الختامي (موت العاشق نازفًا من فمه بين يدي حبيبته) غاية في الإتقان والتناغم بين عناصر العمل المسرحي من تمثيل وإيماءات وحركة وموسيقى وإضاءة وغيرها.

14