مسرح العرائس في مصر يستحضر روح أم كلثوم

 مشروع "أم كلثوم تعود من جديد" يعرّف الأجيال الجديدة بأساطين الغناء والموسيقى العربية.
الأربعاء 2018/12/12
"أم كلثوم تعود من جديد" على مسرح الحكمة بساقية الصاوي

مسرح العرائس في مصر يعاني ركودا وعوائق عدة أفقدته حضوره وتأثيره، خصوصا بعد رحيل ناجي شاكر الأب الروحي لهذا الفن في أغسطس الماضي مخلفا فراغا كبيرا.

القاهرة - في محاولات لتحريك الماء الراكد، يلجأ مسرح العرائس في مصر إلى حيل فنية متعددة لاجتذاب الجمهور، منها تشخيص عمالقة الطرب في حفلات غنائية على المسرح تذكّر بحفلاتهم الحقيقية التي كانوا يقيمونها في الأوبرا القديمة ومسارح القاهرة المختلفة خلال القرن الماضي.

وتحت شعار “أم كلثوم تعود من جديد”، تأتي واحدة من المحاولات الاستعادية لتنشيط فن العرائس بمصر، من خلال استحضار سيدة الغناء العربي أم كلثوم وفرقتها الموسيقية الكاملة في حفلات دورية، تقام مساء الخميس الأول من كل شهر، على غرار حفلات أم كلثوم، على “مسرح الحكمة” في ساقية الصاوي.

وتأتي حفلات “مسرح عرائس الساقية” بمثابة محاكاة كاملة لحفلات أم كلثوم، حيث دخول الجمهور قبل وقت كاف من رفع الستار، والإذاعة الداخلية تعلن عن قرب موعد انطلاق الحفل، ومع رفع الستار في موعده تماما يبدأ البث الإذاعي لحفل أم كلثوم الذي يُفتتح عادة بتصفيق الجمهور، فيجد الحضور في “الساقية” أنفسهم مندمجين بالتصفيق مع جمهور أم كلثوم، وتتهيأ القاعة تماما لحدث فني مرتقب.

وتطالع عيون الحاضرين سيدة الغناء أم كلثوم بفستانها الأنيق جالسة على مقعدها بالمسرح، إلى حين انتهاء المقدمة الموسيقية للأغنية الأولى في الحفل الساهر، وتتحرك أصابع محمد القصبجي على عوده، وأصابع الموسيقيين المعروفين في فرقتها على آلاتهم مع تصاعد أنغام الأغنية، ويختلط الخيال بالواقع.

تنسجم حركة أصابع العازفين بطبيعة الحال مع التوزيع الموسيقي، فهناك عزف جماعي، وثنائيات، وصولوهات منفردة، وهناك جمل موسيقية يطلب الجمهور إعادتها، فتلبي الفرقة رغبته، تماما كما في الحفل الأصلي، وكذلك الحال عندما تقف “الست” على المسرح مصحوبة بعاصفة من التصفيق، وعندما تتحرك شفتا “الدمية” بمثل ما ينطق به صوت أم كلثوم الذي يملأ الأركان.

هناك جهد فني لا يمكن إنكاره لاستحضار حفل أم كلثوم كحالة كاملة على هذا النحو الدقيق المنضبط، الذي يراعي كافة التفاصيل، فضلا عن القدرة على صياغة العرائس وتحريكها باقتدار في ديكور معد بعناية، وبملابس أنيقة ملائمة، ونجحت هذه الحالة في خلق ظاهرة “كامل العدد” في “مسرح الحكمة”، ويشمل الحضور جميع أفراد الأسرة من كبار وشباب وأطفال.

ربما يكون مشروع “أم كلثوم تعود من جديد”، وغيره من حفلات العرائس التي تجسد شخصيات المطربين الكبار، مثمرا في بعض جوانبه، كإعادة الالتفات إلى فن العرائس من جديد مثلا، وجذب الجمهور إليه، وتهيئة مناخ مناسب لتعريف الأجيال الجديدة بأساطين الغناء والموسيقى العربية، وفتح الباب لأفكار مبتكرة للتعامل المسرحي أو الدرامي مع التراث الغنائي والموسيقي.

على أن النجاح الجماهيري لحفلات عرائس فرقة أم كلثوم لا يمكن اتخاذه مؤشرا على عودة مسرح العرائس واستعادته حضوره وتأثيره ومجده القديم، مثلما يردد البعض، فهذه الحفلات الرائجة المحبوكة جيدا قائمة في أساسها على استثمار “النوستالجيا” (الحنين إلى الماضي) واستنساخ ما هو قديم ومحبب إلى القلوب، للإيهام بإمكانية عودة زمن لا يعود، برموزه وفنونه وطقوسه.

استثمار "النوستالجيا" للإيهام بعودة الماضي
استثمار "النوستالجيا" للإيهام بعودة الماضي

إن حضور حفلات “أم كلثوم تعود من جديد” هو ببساطة أولئك الذين يصدّقون عنوان المشروع، أي إمكانية عودة سيدة الغناء من جديد، وعودة كل ما لا يمكن أن يعود من تفوق مصري وازدهار في الفنون والثقافة وكافة مفردات القوة الناعمة، فستار المسرح هو نافذة الهروب من الحاضر المتراجع إلى زمن مقترن بالبهجة وإحساس الذات بقيمتها وقيمة ما حولها.

ولا يعني ذلك أن المشروع يقدم ما هو سلبي أو ما لا يُرتجى نفعه، فما يطرحه جدير بالتقدير والاحتفاء، لكن في حدود المعنى الطبيعي لإحياء التراث، والتذكير بالقديم، كما في حفلات فرق الموسيقى العربية مثلا، والمعارض التشكيلية الاستعادية للرواد، لكن نهضة مسرح العرائس وما يتطلع إليه عشاق هذا الفن وملامح التميز الحقيقية، لا تزال مرهونة بأمور أخرى مقيدة ومعطلة إلى حين إشعار آخر.

ويمكّن التمثيل لذلك التفوق المنشود في مجال مسرح العرائس المصري بخمسينات وستينات القرن الماضي، حيث اقترن هذا الفن وقتها بالقدرة على الخلق، وتقديم أعمال مسرحية ودرامية وأوبريتات أصيلة بكلماتها وألحانها وشخصياتها وحكاياتها، إلى الدرجة التي جعلت البعض يتعامل مع شخصيات الدمى باعتبارها أشخاصا حقيقيين من لحم ودم، على عكس ما يحدث الآن من اجتلاب أشخاص حقيقيين لاستثمارهم في ترويج الدمى.

ومن هذه الأعمال الناضجة على سبيل المثال مسرحية “الليلة الكبيرة” (1961) التي صمم عرائسها الفنان الرائد ناجي شاكر (1932-2018)، وكتبها صلاح جاهين، ولحنها سيد مكاوي، وهي المسرحية التي تحفظها القلوب والألسن حتى يومنا هذا لتقديمها سيرة شعبية كاملة للاحتفال بالمولد النبوي.

ونالت العديد من الجوائز الدولية، وحققت فلسفة ناجي شاكر ومقولاته بشأن إمكانية “تفوّق العرائس على البني آدمين”، أي أن مسرح العرائس قد يقدم ما لا يستطيع المسرح العادي طرحه.

ويطمح مسرح العرائس إلى الحرية والخلق والاستغناء عن الوصاية، والفكاك من الأطر الضيّقة والمعطيات الجاهزة لدى الذاكرة الجمعية، وأخذ الجمهور بخفة إلى جزر غير مأهولة، بالنسج على غير منوال، ليكون النجاح في أسمى صوره مرادفا للكشف والتأسيس.

واقترنت نهضة مسرح العرائس بمنظومة كاملة من التفوق في الثقافة المصرية، عنوانها اهتمام الدولة برعاية الفنون والآداب، والإنفاق عليها ببذخ، وكان للمسرح نصيب من هذا الاهتمام الرسمي، بهدف نشر الأفكار والاستراتيجيات القومية.

ويمثل التراجع الحالي الوجه الآخر بطبيعة الحال، حيث انصرفت مؤسسات الدولة عن دعم القوة الناعمة، في حين تأخذ جهات الإنتاج الخاصة في اعتبارها مؤشر الربح كهدف أول عند طرح عمل فني أو ثقافي، وهذا ما فعلته “ساقية الصاوي” في عرض عرائس “أم كلثوم تعود من جديد”.

16