مسرح الفصل الواحد يستعيد سعدالدين وهبة

"زوجي يحب اللعب" كوميديا ساخرة تعري الواقع الاجتماعي في مصر من خلال المواقف الثنائية والثلاثية المنبنية على المعطيات الكوميدية الدرامية مثل سوء الفهم والمفارقة.
الاثنين 2020/02/03
مواجهة الأزمات بالسخرية والمرح

بمعالجة جديدة لمسرحية "زوجي يحب اللعب" ذات الفصل الواحد للكاتب سعدالدين وهبة، على مسرح أكاديمية الفنون بالقاهرة، تكشفّت جراح المجتمع المصري، وأثيرت قضايا فردية وأسرية في إطار هزلي، من خلال مجموعة من المفارقات والمشاهد الدرامية المكثفة في كبسولة من الضحك والسخرية.

القاهرة - بدأ المسرح المصري يستمد عافيته من طاقة الشباب وحماس الأجيال الجديدة من المسرحيين، فهم وقود التحديث والتطوير. ولإنجاز إضافة وضخّ حيوية في المشهد المسرحي، ينبغي توفر عدة شروط، من أهمها: امتلاك الموهبة، والتسلح بالوعي، ومسايرة الواقع الراهن؛ المحليّ والعالميّ، على مستوى القضايا والهموم المطروحة، الذاتية والجماعية، وعلى مستوى التقنيات والأدوات والعناصر المسرحية.

من هناك، سعت مسرحية “زوجي يحب اللعب”، من إعداد وأداء إيناس المصري وشيماء نصار وفريق شباب قسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، إلى استيعاب هذه الأمور وتمثّلها في تقديم العرض بصيغة رشيقة ملائمة.

في عصر اللهاث والتنقلات والتشتت والحياة الرقمية المتسارعة، تجد بعض الثيمات الأدبية والفنية رواجا أكثر من غيرها، كالقصة القصيرة مثلا والقصيدة الومضة وشعر الهايكو وحلقات “السيت كوم” التلفزيونية وغيرها، وبالنسبة إلى المسرح فإن أعمال الفصل الواحد، كما في “زوجي يحب اللعب”، هي القماشة الأكثر إغراء لشباب المسرحيين، ليس لسهولة تطويعها فقط، لكن لضمان امتلاك المتلقي أيضا حتى نهاية العرض، ومحاولة بلوغ الهدف بأقصر الطرق من خلال التركيز.

سلسلة رهانات

الزوج.. المتهم البريء
الزوج.. المتهم البريء

جاء الرهان الأول لعرض “زوجي يحب اللعب” على النص المستمد من مسرحية الكاتب الراحل سعدالدين وهبة، ويعتمد نجاح انتقاء النصوص المستعادة على مدى ملاءمتها للعصر الحديث، وأبجديات معالجتها، وقد جاء الانتقاء هنا موفقا بشكل مبدئي، لكون المسرحية تتعامل في إطار كوميدي مع قضايا أسرية وإنسانية وصفات أخلاقية عامة ومواقف اجتماعية يومية من التي لا تتبدل كثيرا عبر الزمن، بلغة عامية مبسطة، الأمر الذي قد يجعل التدخل الصياغي في أضيق الحدود.

أما الرهان الثاني، فقد جاء على الشكل المسرحي، وهو من حيث التوجه أيضا مناسب، فهو قريب من حساسية التلقي الكائنة وذائقة جمهور المسرح في الوقت الحالي، فالمتفرجون باتت تجتذبهم أكثر مسرحيات الفصل الواحد بإيقاعها السريع وكلماتها القليلة وإيجازها الوامض وخصائصها المتسقة مع خصائص هذه المرحلة.

المُشاهد باتت تجتذبه أكثر مسرحيات الفصل الواحد بإيقاعها السريع المتسق مع خصائص العصر الراهن

وجاء الرهان الثالث على مفردات العملية المسرحية وجمالياتها وتقنياتها، وفي سياق الخبرات القليلة لدى فريق العمل، فقد تفوّقت الاجتهادات الفردية في بعض نقاطها المضيئة، خصوصا الأداء التمثيلي التلقائي الطلق، على مفهوم الثيمة الكلية أو الحبكة المسرحية المتكاملة بتجلياتها البصرية والحركية والتشكيلية وتجهيزاتها الثرية ومؤثراتها السمعية والمرئية، وفق ما يتمناه المسرح الحديث، فجاء العرض “ككل” أقرب إلى أن يكون استعاديا أو منتميا إلى الماضي.

انفتح ستار المسرحية المكثفة على قلب الأسرة مباشرة، عمّا يحمله من خصائص الشخصية المصرية الرازحة تحت وطأة الكثير من الأوجاع، والقادرة في الوقت نفسه على المقاومة وتجاوز المحن والآلام، والتحلي بالمرح والدعابة وروح التهكم والسخرية، حتى عند هبوب العواصف وتفجّر الأزمات.

انطبعت مدرسة سعدالدين وهبة، أحد الغوّاصين الكبار في داخل البيت المصري الأصيل، على كل ما في العرض، وتبدّدت من تلقاء ذاتها الفوارق المكانية والزمانية ليتماهى المشاهدون مع شخصيات العرض، وكأنهم يرون أنفسهم الحقيقية في مرايا مستوية، لا محدّبة ولا مقعّرة، وحتى المبالغات والمفارقات التي هي من سمات كوميديا المواقف ومن خصائص مسرح الفصل الواحد الهزلي، فإنها جاءت طبيعية.

إبهار مسرحي

بساطة الملابس والديكور لملاءمة طبيعة الشخصيات
بساطة الملابس والديكور لملاءمة طبيعة الشخصيات

ساعد أداء الممثلين العفوي، ولغتهم العامية المعاصرة وملابسهم المألوفة، والديكور البسيط “الحاضر الغائب” لمنزل متوسط الحال، والتحركات الهادئة المنسجمة مع القول والحدث، في تمرير هذه “العادية” وتحقيق هذه “الألفة” بين شخصيات العرض والمتفرجين، فانسحب ما يتعلق بالصنعة والسحر والإبهار المسرحي وما إلى ذلك بعيدا تماما، وعلا صوت القصة “الحدوتة” والمعايشة والاندماج والضحك والتأثر كمقوّمات غائية للعرض.

وتلخصت الفكرة في حالة تشكّك إحدى الزوجات وفاء، في سلوك زوجها عباس الموظّف بمصلحة حكومية (مسؤول لجنة التنسيق والتخطيط)، واعتقادها غير المبرّر أنه يخونها أو “يلعب بديله” وفق التعبير العامي المصري، ومن ثم فإنها جنّدت كل خطواتها وحواسّها لمراقبته وتحسّس تحركاته ومحادثاته الهاتفية والتقاط أنفاسه ودقّات قلبه، لعلها تعثر على دليل لإدانته، ومعرفة مع أيّ امرأة يخونها.

تحرك مؤشر الدراما وتوالدت الحوارات وتصاعدت النقاشات بينها وبينه، وبين الزوجة وابنة أخي الزوج، وتجسّدت المواقف الثنائية والثلاثية المنبنية على المعطيات الكوميدية الدرامية مثل سوء الفهم والمفارقة وتعدد دلالات المفردة الواحدة ونحو ذلك لاستثمار الحدث في أن يكون مادة ومحورا للضحك.

وفي الوقت نفسه جرت إثارة قضايا اجتماعية وإنسانية تتعلق بالوفاء والخيانة وعوامل استقرار الحياة الزوجية والتزامات كل من طرفيها المادية والمعنوية والأدبية.

استوعب العرض إشكالات وقضايا أخرى، لها علاقة بصراع الطبقات، والكادر الوظيفي الذي ينتمي إليه الزوج، وأحوال الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري، وهنا اتضح أن العامل الزمني له تأثير عند استعادة العرض القديم كما هو، إذ بدت أحوال الطبقة الوسطى في العرض أفضل حالا ممّا هي عليه في الوقت الحالي.

تجلى ذلك البون بوضوح في نهاية العرض، حيث المفاجأة الختامية، إذ اتضح أن سَحَر، وفق ما سمعت الزوجة وفاء في تنصّتها على زوجها والتي “يلعب عليها” الزوج، هي اسم “الفرس” أو ذلك الحصان الذي يراهن عليه عباس في مضمار سباق الخيل الذي اعتاد الذهاب إليه بعد ساعات العمل، فليست هناك امرأة أخرى، وليست هناك خيانة، لكنها الأوهام والخيالات والفراغ الموجود لدى الزوجين معا، واللذين يعيشان حياة مستقرة ميسورة قليلة الضغوط والأعباء، على الرغم من كون الزوج موظفا، وذلك وفق توقيت كتابة المسرحية، وليس توقيت عرضها بطبيعة الحال.

17