مسرح باريسي يحتفي بآرثر ميلر على الطريقة الإغريقية

من بين المسرحيات التي راجت عند عرضها أول مرة ثم طواها النسيان، رغم قيمتها الفنية وقيمة مبدعها، مسرحية “منظر من الجسر” التي ألفها آرثر ميلر عام 1954 وقدمها بيتر بروك للجمهور الفرنسي بعد أربعة أعوام، عن ترجمة لمارسيل إيميه، قبل أن يحولها المخرج سيدني لوميت إلى السينما عام 1962. لذلك كان تقديمها على خشبة أتيلييه برتييه بباريس حدثا لافتا حياه النقاد.
الاثنين 2015/11/16
البطل ممزق بين شرفه وحب محرم

يعتبر آرثر ميلر (1915-2005) من الأسماء المميزة في الرواية والمسرح والسينما على الساحتين الأميركية والعالمية. درس في جامعة ميشيغان الصحافة والفن الرابع وشغف بالمسرح اليوناني القديم وبأعمال هنريك إبسن.

كانت نشأته في بروكلين في عائلة يهودية بولندية مهاجرة، وهو ما يفسر درايته بأوساط الجاليات المهاجرة ومشاكل سكان الأحياء الفقيرة، وتعاطفه مع اليسار في نضاله ضدّ المنظومة ومؤسساتها، ودفاعه عن الحرية الفكرية، وتنديده بالقمع والظلم حتى في إسرائيل، وهو اليهودي الأصول، ودعوته إلى مسرح يكون في متناول الناس.

من أعماله في المسرح “كلهم أبنائي”، و”المحنة” و”موت بائع جوال” و”منظر من الجسر” التي يتعرض فيها للعشق وجنونه، إضافة إلى تأمل نظري في أوضاع البسطاء.

تدور أحداث مسرحية “منظر من الجسر” لآرثر ميلر التي تعرض حاليا على خشبة أتيلييه برتييه بباريس في مطلع خمسينات القرن الماضي، في بروكلين تحديدا، ناحية الأرصفة، حيث المكلفون بشحن حاويات البضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم وإنزالها هم في الغالب من المهاجرين الذين دفعوا ما يملكون لممررين عبر الحدود، واضطروا للعيش بعد ذلك في سرية تامة، بعيدا عن أنظار الأمن، في انتظار تسوية الإقامة. والكاتب ميلر يغوص هنا في عالم المهاجرين الإيطاليين القادمين من صقلية، ليس بهدف إدانة استغلال اليد العاملة المهاجرة، بل للوقوف على ما يعيشه أولئك المهاجرون في حياتهم الحميمة، وعلاقاتهم العاطفية بخاصة.

والبطل إيدّي كربوني عانى الأمرين من أجل أن تحظى كاترين، ابنة أخته، بعد أن فقدت أبويها، بتربية مثلى وتعليم يجعلانها شخصية مهمة من شخصيات المجتمع. وكان يحبوها عطفا ورعاية، ويعاملها كما يعامل الأب ابنته، ولا يريد أن يعترف بأنها كبرت وصارت امرأة شابة، لأنه كان يحبها حبا غامضا، يولد في نفسه الغيرة والغضب ويدفعه إلى العنف.

ورغم طيبته وأمانته يقع في المحظور، فهو لم يفهم القوى التي تحتدم داخله، ولم يكن يمتلك وعي شخصيات راسين مثلا، فإذا هو ضمير حيّ ينقاد إلى عمل مشين، وحساسية مجنونة، غامضة حتى مع نفسه.

ميلر صاغ مسرحيته على طراز المسرح اليوناني القديم، وقدم للجمهور تراجيديا معاصرة ذات بنية وعمق إغريقيين

بدأت مأساته مع قدوم الأخوين ماركو ورودولفو في إطار الهجرة السرية، ولما كانت لهما صلة قرابة بزوجته، فقد آواهما في بيته وسعى إلى تشغيلهما معه. فأما الأخ الأكبر ماركو، فقد كان مجدّا في العمل، لا يفكر إلاّ في توفير نصيب من المال والعودة إلى وطنه. وأما أخوه الأصغر رودولفو فكان ميالا إلى اللهو والغناء والمرح والعشق، أي كل ما يعارض شخصية كربوني ذات الطبع الحامي والمزاج المتوتر.

هذا الفتى بدأ يثير غيرة كاربوني يوم اكتشف هذا أن بينه وبين كاترين علاقة غرامية، وإذا هو ينقلب شيئا فشيئا إلى ما لا يريد أن يكون، فتنسيه الغيرة طيبته والقيم التي بها يؤمن، ويتحول إلى واشٍ يبلّغ عمّن يعيشان تحت سقف بيته إلى مصلحة الهجرة، لأنه لم يقبل علاقة كاترين برودولفو.

لقد صاغ ميلر مسرحيته على طراز المسرح اليوناني القديم، وقدم لنا تراجيديا معاصرة ذات بنية وعمق إغريقيين، أبطالها عتالون قادمون من جنوب إيطاليا، يستمسكون بقيم جلبوها معهم إلى ما يسميه الكاتب “الفردوس الجحيمي” الذي يمثله الحلم الأميركي.

وفريق الإنشاد هنا يتمثل في ألفييري المحامي، الذي يقدم الأبطال والوضعيات ونصائح مجانية لا يأبه بها أحد. هو أيضا إيطالي مهاجر، يقيم في بروكلين في حي ريد هوك المطل على خليج نيويورك، حيث الجسور صالحة لنقل الطاقات العاملة، وصالحة أيضا لمن طفح بهم البؤس فقرروا وضع حدّ لحياة تلتَهِم المدينةُ نسغها بلا رحمة.

تبدأ المسرحية بعد أن وقعت المأساة، وألفييري المحامي يستعيد أطوار حكاية بطلها إيدي كربوني، الذي لم يستطع أن يتجنب مصيره. هو رجل شجاع، نزيه، ولكنه سجين قناعاته، ممزق بين شرفه وحب محرّم. أي أن المتفرج يعرف منذ البداية أن الحكاية ستنتهي غارقة في الدماء، ولكنه يجهل مَن قَتل مَن؟ ذلك أن ميلر، على غرار كتاب التراجيديا الإغريقية، يطيل التشويق حتى النهاية.

يقول ميلر “يبدو لي أننا نستحضر الإحساس التراجيدي حينما نجد أنفسنا في حضرة شخص مستعدّ أن يتخلى عن حياته إن اقتضى الأمر، ليضمن شيئا واحدا هو كرامته. فما الصراع الخفي، من أوريست إلى هاملت، ومن ميدي إلى مكبث، سوى صراع الفرد الذي يحاول أن ينتزع مكانته المشروعة داخل المجتمع”.

16