مسرح لييُوان الصيني في زيارة لباريس

الأحد 2014/07/06
مسرح لييوان كادت الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تقضي عليه لكن الفن كان أقوى من الأيديولوجيا

باريس - من بين العروض الأجنبية التي حازت الإعجاب في الآونة الأخيرة مسرحية “الأرملة والمعلم” لفرقةٍ من مدينة كانجو الصينية متخصصةٍ في مسرح لِييُوان، الأقدم من أوبرا بيكين بأربعة قرون، يتواصل عرضها في مسرح بوبينيه شمالي باريس قبل أن تحل ضيفة على مهرجان “ليالي الفورفيير” بمدينة ليون.

لِييُوان، ومعناه بستان الكمّثرى، هو نوع من مسرح الأوبرا يتعاطاه الصينيون منذ القدم. ظهر إبّان القرن الثاني عشر الميلادي، في مقاطعة فوجيان جنوبي الصين على الساحل المطل على جزيرة تايوان.وظل حتى الآن يعتمد على الرقص والغناء، ويتميز بإيمائية gestuelle تقوم على ثماني عشرة حركة، وموسيقى تفوق الثلاثمئة لحن.

وتعتبر فرقة كانجو التي رأت النور عام 1953 أهم فرق مسرح لِييُوان، هذا المسرح الذي كادت الثورة الثقافية (1966 – 1976) أن تقضي عليه، لولا ثلة من الفنانين تفانوا في إحياء خصائصه وتقنياته التي توارثوها جيلا عن جيل، وجمع من الباحثين عملوا على استرجاع الأعمال المفقودة، أو المهرّبة عن عيون الحرس الأحمر زمن عصابة الأربعة، حين كانت الفرقة مرغمة على آداء أعمال الأوبرا الثورية لجيانغ كينغ زوجة ماو تسي تونغ الرابعة.

بعد القضاء على عصابة الأربعة عام 1976، لم يبق من هذا المسرح التقليدي سوى ذكرى، وكان على الفنانين أن يعيدوا له الحياة ويضخّوا فيه دماء شابة، فوقع اختيار فتاة تدعى زينغ جنغبينغ لا يتجاوز عمرها أربع عشرة سنة من بين آلاف من المترشحات، ستكون فيما بعد نجمة الفرقة، ثم مديرتها، بعد أن وقع تتويجها بلقب “أكبر ممثلة في الصين الشعبية” في مناسبتين عام 1989 وعام 2006. هذه المرأة التي جاوزت اليوم الخمسين من عمرها كانت تدرك، بوصفها مديرة الفرقة وممثلتها الرئيسية في الوقت نفسه، أن هذا التقليد المسرحي الفريد لا يمكن أن يكتب له الاستمرار إلا بتطويره، مع المحافظة على روحه طبعا.

إن شكل لييوان التقليدي لا يحول دون حداثة المسرحية، فهي 'ميلودراما' تستفيد من حكمة كونفوشيوس وهزلية موليير

وقد أفلحت في الحصول على دعم الدولة، لتقديم عروض في الأرياف والبلدات والقرى تصل إلى مائة وخمسين عرضا في السنة، مثلما أفلحت في استدراج كاتب متميز هو وانغ رانجي لإعداد نصوص تأخذ من الخرافة عجيبها وغريبها وقوة تأثيرها، ولا تحتل العقدة فيها أهمية كبرى. “حسبنا ثيمة كالحرب أو الحب، يقول وانجي، أو شخصية بارزة أو معطِّلة، أو عائق ما. والباقي كله رقة وعذوبة وغنائية”.

كذلك الشأن في “الأرملة والمعلم” فهي خرافة ذات عقدة بسيطة ومضمون يدعو إلى السخرية من بعض التقاليد، وتروي حكاية شاب متعلم اسمه دونغ دعاه المستشار بينغ عندما حضرته المنية ليعرض عليه صفقة: أن يراقب زوجته الشابة لكي لا تتزوج بعد وفاته أحدا غيره، ويرفع له تقريرا مفصلا عن أفعالها وأقوالها في نهاية كل شهر.

في المقابل يتعهد هو بغض الطرف عن دَيْن قديم. وافق الشاب مرغما، وبعد وفاة الزوج صار يتجسس على الأرملة الشابة آناء الليل وأطراف النهار، حتى وقع في هواها. فراح يعلم تلاميذه قصيدة غزلية، تناهت إلى مسمع الأرملة لقرب بيتها من المدرسة، وفهمت مغزاها.
الممثلة زينغ جنغبينغ في دور الأرملة

وفي ليلة أقنع الشاب نفسه بضرورة الوفاء بعهده ومراقبة الأرملة حتى أثناء الليل، فلعلها تستقدم في الظلمة عشيقا. دخل البيت خلسة وكاد يقع بين يدي الخادم، ولكن الأرملة أنقذته بادعائها أنه مجرد قط نط من السور، ثم وجدت نفسها أمامه وجها لوجه فتبادلا بوحا ببوح وعناقا بعناق. ولكن المصيبة أن فجر ذلك اليوم هو رفع التقرير إلى دفين القبر الذي لم تكن تخفى عنه خافية إذ سرعان ما بادره شبحه باللوم: “كنت مطالبا بصون الكنز فإذا أنت تستولي عليه !”، وناوله سيفا ليضرب عنق المرأة الخائنة.

ولكن دونغ يستخدم ذكاءه وأدبه في خداع شبح بينغ ويستشهد بكونفوشيوس ومانشيوس ليذكره بأن “ما يصلح للأحياء لا يصلح للأموات” ويقنعه بالعدول عن ملاحقة الأرملة العفيفة، فيحمل شبح المستشار القبر على كاهله ويختفي. وبذلك يفسح المجال للشابين كي يعيشا في حب وسعادة.

هذا العرض وقع آداؤه بلهجة المينّان، اللهجة المحلية لمرفأ كانجو الذي لا يتجاوز تعداد سكانه نصف مليون نسمة، ولكنه استطاع بفضل فرقته هذه أن يحقق صيتا خارج الحدود.

إن شكل لِييُوان التقليدي لا يحول دون حداثة المسرحية، فهي “ميلودراما” تستفيد من حكمة كونفوشيوس وهزلية موليير، وتنبني على اللُّبس والمكيدة والعشق الحامي والجبن الخجول والشجاعة المستعادة والرغبة الجامحة بين كائنين. والنص، منطوقا ومُغنّى، يمنح الممثلين توزيعا عادلا من حيث التأثر العاطفي والمحاكاة الساخرة والفكاهة، ويزداد سموّا بموسيقى “نانيين” موسيقى الجنوب الصيني الرقيقة الحالمة، فضلا عن الديكور الفاتن والملابس الحريرية والآداء الرائع.

15