مسعود البارزاني ينتحر سياسيا دون أن ينتبه

الخميس 2017/09/14

كان خطأ سياسيا فادحا عندما أقدمت حكومة حزب البعث برئاسة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين في عام 1970، على توقيع بيان 11 مارس الذي منح أكراد العراق الحكم الذاتي، مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الملا مصطفى بارزاني، في إجراء غير مدروس، كان من نتائجه أن عزز مكانة الأخير، وحوله من شيخ عشيرة صغيرة محشورة في قرية بارزان الجبلية، ورئيس حزب كان يشهد انشقاقات متلاحقة في هيئاته القيادية، إلى شريك سياسي فاعل، وقائد كردي أوحد، مختزلا كل الأكراد وقضاياهم وتطلعاتهم في شخصه وأسرته وعشيرته والمقربين منه.

ولم يكن الملا مصطفى رحمه الله وغفر ذنوبه، يحلم بأن تهبط بركات البعث عليه دفعة واحدة، وكان كل ما يطمح إليه من السلطات الحكومية يومها، أن توقف هجمات الجيش العراقي على قواعده العسكرية المتناثرة في قمم الجبال المعزولة، والكف عن مطاردة عناصره المختفية في الكهوف أو المختبئة في القرى الإيرانية خلف الحدود، وإعادة الملتحقين به من موظفين وجنود وشرطة إلى أعمالهم ودوائرهم السابقة، وتحجيم دور خصمه العنيد جلال الطالباني، وكان يقود جناحا حزبيا هو الأكبر والأنشط والمتحالف مع بغداد، وله وزيران في الحكومة المركزية وقتئذ.

وقيل يومها إن صدام حسين، الذي وصفه البارزاني وأتباعه حتى عام 1975، بأنه مهندس بيان مارس ونصير الأكراد، أراد أن يسجل لنفسه دورا تاريخيا في توقيع البيان نيابة عن الحكومة العراقية، في مواجهة عسكر الحزب وفي مقدمتهم حردان التكريتي وصالح مهدي عماش، وكانا من دعاة الحسم العسكري لتمرد الملا مصطفى، وقد اكتشف صدام خطأه في مارس 1974، عندما اجتمع مع ولدي الملا الشابين إدريس ومسعود، للبحث في استكمال إجراءات الانتخابات العامة في المحافظات الكردية (أربيل والسليمانية ودهوك) وإنشاء المجلسين التشريعي والتنفيذي للحكم الذاتي.

كما نص عليهما بيان مارس 1970، وأدرك متأخرا أن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وأولاده، لا يريدون مؤسسات شعبية كردية ولا تشريعات قانونية منظمة ولا مجالس تشريعية وتنفيذية، وإنما إبقاء الوضع في شمال العراق على حاله واستمرار الملا على زعامته، حتى وصل الأمر بالأخير إلى رفض تعيين أحد أنجاله، نائبا لرئيس الجمهورية، استنكافا بالمنصب، ورشح أحد مساعديه من الفيليين بدلا منهما هو حبيب محمد كريم، الذي انشق هو الآخر عنه في عام 1977 وعاد من طهران إلى بغداد نادما، وعين مفتشا عاما لمؤسسة ضريبة الدخل العراقية.

لقد ترتب على خطأ الحكومة العراقية في توقيع بيان مارس مع الملا مصطفى، أن الأخير استغل البيان ونجح خلال السنوات 1970 – 1974 في تثبيت قدميه كزعيم كردي وحيد تتعامل معه بغداد المركز، وبات يتصرف في المنطقة الكردية بتفرد ودكتاتورية، يطارد خصومه السياسيين ويهجر العشائر الكردية التي ترفض الانصياع له، ويطور علاقاته مع شاه إيران والموساد الإسرائيلي، ويخزن الأسلحة والمعدات العسكرية.

ويستقدم خبراء ومدربين أجانب لتأهيل قوات البيشمركة التابعة له، إضافة إلى تلقيه ملايين الدنانير من قيادة الحزب والثورة، كمساعدات ومنح، أيام كان الدينار العراقي يساوي أكثر من ثلاثة دولارات، وقد كشف سامي عبدالرحمن ورفيقه الدكتور محمود عثمان، وهما قطبان في حزب البارزاني قبل أن ينشقا عنه عام 1976 عن حجم الأموال التي استحوذ عليها الملا وأولاده، في كراس أصدراه ووثقا فيه تفاصيل ذلك.

لقد آلت زعامة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى مسعود البارزاني بالوراثة بعد رحيل والده في الولايات المتحدة الأميركية مريضا ومحبطا عام 1979، ووفاة شقيقه إدريس في منتصف ثمانينات القرن الماضي في إيران، وعرف بأنه من دعاة التفاهم مع بغداد وله تصريحات موثقة عقب لقائه مع صدام حسين في سبتمبر 1991 ببغداد، أشاد فيها بموقف الحكومة العراقية في دعم الأكراد، مؤكدا أنها مستعدة لمنحهم نظاما سياسيا، أعلى من الحكم الذاتي ويلامس النظام الفيدرالي، معترفا في الوقت نفسه بأن واشنطن رفضت العرض الحكومي “الجيد” حسب وصفه، بتحريض من جلال الطالباني.

كما أننا نتذكر استغاثته بالجيش العراقي لتحرير أربيل من احتلال الإيرانيين وأتباع الطالباني في 31 أغسطس 1996 وكيف تصرف الفريق سلطان هاشم وزير الدفاع والفريق عبدالواحد شنان آل رباط رئيس أركان الجيش حينذاك في بسط الأمن وإعادة الاستقرار إلى المدينة الكردية، وسلماها بالحفظ والصون إلى مسعود، بعد أن حافظا على حياة أفراد عائلة الطالباني وقيادات حزبه فيها، ومن ضمنهم رئيس الجمهورية الحالي فؤاد معصوم، الذي كان يشغل رئاسة حكومة أربيل المحلية، ووفرا لهم الحماية وعدم المساس بهم من خصومهم “البارتيين” (أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني).

ومن المفارقات أن يتشدد مسعود البارزاني هذه الأيام ويطالب بإجراء استفتاء كردي والانفصال عن العراق، وهو إلى سنوات قليلة مضت كان ينادي بأن خيار الأكراد الأحسن والأفضل أن يبقوا تحت خيمة العراق، كإقليم له خصوصيته وحقوقه، ومع ذلك فليس هناك اعتراض من عرب العراق، على الاستفتاء الكردي وحق تقرير المصير وإنشاء دولة مستقلة، إذا قامت في المناطق الكردية المعروفة بحدودها الإدارية قبل 9 أبريل 2003 بلا قضم مدن وبلدات عربية وتركمانية ومسيحية ويزيدية في كركوك والموصل وصلاح الدين وديالى، وإلا فإن حربا ستنشب لا شك في وقوعها، ستكون أشد وأقسى من معارك الأربعينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، وسيكون ضحيتها الأكراد قبل غيرهم، وهم محصورون في جيب لا منافذ له ولا مخارج، وبدون دعم من الجوار والخارج.

وأكثر ما نخشاه أن تتحق نبوءة جلال الطالباني التي أطلقها إبان حرب أم الكمارك مع البارزاني عام 1995 عندما قال: سيأتي يوم لا يستطيع مسعود أن يرى أربيل حتى في الأحلام.

كاتب عراقي

8