مسعى إسرائيلي لشطب حق العودة

السبت 2013/11/02

على الرغم من انطلاقة مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية قبل نحو ثلاثة شهور، تسعى المؤسسة الإسرائيلية بشكل ممنهج إلى شطب حق العودة من أجندة الأمم المتحدة. وفي هذا السياق أشارت وسائل إعلام إسرائيلية في الآونة الأخيرة إلى بدء مساع حثيثة تقوم بها وزارة الخارجية الإسرائيلية في الأمم المتحدة لتغيير الصفة القانونية الخاصة بتعريف اللاجئين الفلسطينيين.

ونقل عن ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة رون بريسور قوله «إن العقبة الرئيسية في وجه عملية السلام هي حق العودة للاجئين الفلسطينيين وليس المستوطنات». واعتبر بريسور أن نقل صفة لاجئ لتمنح إلى أبناء اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا قراهم ومدنهم بعد قيام إسرائيل، هو أمر مضلل، منوهاً إلى أنه في عام 1950 وصل عدد اللاجئين إلى 700 ألف، وأصبح عدد هؤلاء اليوم خمسة ملايين ومئة ألف لاجئ، مشيراً إلى أن الأمر يعتمد على كيفية وأسس تعدادهم. وانتقد بريسور سياسة وكالة الأونروا التي تسمح للاجئين الفلسطينيين بنقل هذه الصفة لأطفالهم، معتبراً أن ما تقوم المنظمة الدولية في هذا الشأن مضلل.

ويشار إلى أنه تمّ عقد مؤتمر صغير في نادي «هارفرد» في مانهاتن بنيويورك قبل أسابيع عدة شاركت فيه شخصيات وخبراء من بينهم بريسور، الذي تناول موضوع اللاجئين الفلسطينيين واعتبر أن قضيتهم هي القضية الأساسية التي تعيق التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد ركز مؤتمر هارفرد على ضرورة صياغة تشريعات في الولايات المتحدة تهدف إلى إنهاء عملية «النقل الأوتوماتيكي» لصفة لاجئ من الأب الفلسطيني إلى أبنائه، تلك العملية التي تجري منذ عام 1948.

ومن جهة أخرى تحاول المؤسسة الإسرائيلية اختلاق فكرة لاجئين يهود لمواجهة القرارات الدولية الداعية إلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وفي مقدمتها القرار 194 الصادر في عام 1948 والقرارات الدولية ذات الصلة. وكشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخراً عن وثيقة رسمية إسرائيلية تتضمن الموقف الرسمي الذي يفترض أن تعرضه إسرائيل في قضية «اللاجئين اليهود»، خلال مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين.

وتعتبر الوثيقة حصيلة قرار سياسي إسرائيلي مصدره رئاسة الحكومة، حيث يفرض على المفاوض الإسرائيلي أن يجعل مما يسمى مشكلة النازحين اليهود من الدول العربية قضية أساسية إبان المفاوضات حول الحل الدائم مع الطرف الفلسطيني. ومن دون حل هذه القضية، فإن القرار الإسرائيلي هو عدم الموافقة على إعلان إنهاء الصراع. وتشير أنباء إسرائيلية إلى أن الوثيقة تم إعدادها من قبل مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بأمر من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو. وقد تضمنت بشكل أساسي توصيات بشأن كيفية تعامل إسرائيل مع قضية ما يسمى اللاجئين اليهود، وفي مقدمتها المطالبة بالتعويضات لليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى إسرائيل كنقطة تفاوضية مهمة على طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، بل وجعل تلك النقطة جزءاً لا يتجزأ من التفاوض حول قضية اللاجئين الفلسطينيين.

وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك، حيث تعرّف اللاجئ اليهودي من الدول العربية بأنه اليهودي الذي ترك بيته في الدول العربية وهاجر إلى إسرائيل. أما عدد هؤلاء اللاجئين، فقد جرى احتسابه ابتداء من تاريخ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947 وانتهاء بعام 1968. ووفق هذا المعيار، أحصت الوثيقة 800 ألف لاجئ يهودي، مقابل 600 إلى 700 ألف لاجئ فلسطيني خلال هذه الفترة.

وأوصت الوثيقة التي حملت عنوان «خلاصة العمل الأركاني واقتراح الموقف الإسرائيلي في المفاوضات مع الفلسطينيين في موضوع اللاجئين اليهود» بوجوب تكريس مصطلح «اللجوء المزدوج» في المفردات الدولية المستخدمة.

ورأت أن هناك مصلحة إسرائيلية في تأسيس رابط بين «مأساة اللاجئين اليهود» و»قضية اللاجئين الفلسطينيين»، مشددة على ضرورة طرح المسألتين ككتلة واحدة في المفاوضات حول اللاجئين في إطار الحل الدائم. كذلك أوصت الوثيقة بألا تكتفي إسرائيل بالمطالبة بتعويضات شخصية للاجئين اليهود من أصل عربي، بل أن تطالب بتعويض «لدولة إسرائيل التي أنفقت موارد في سبيل استيعابهم خلال الخمسينات والستينات».

ودعت الوثيقة إلى أن تكون نسبة المطالبة بالتعويضات 2 إلى 3 لمصلحة «اللاجئين اليهود، ليس فقط بسبب عددهم، بل أيضاً في ضوء وضعهم الاقتصادي الأفضل إبان تلك الفترة». وقدّرت الوثيقة قيمة الممتلكات التي خسرها اللاجئون الفلسطينيون في تلك الفترة بنحو 450 مليون دولار، وهو مبلغ تقدر قيمته الحالية بنحو 3.9 بليون دولار. أما «اللاجئون اليهود»، فقد خسروا ما قيمته 700 مليون دولار، أي نحو 6 بلايين دولار وفقاً للقيمة الراهنة. ووفق الإعلام الإسرائيلي، فإن وزارة الخارجية الإسرائيلية أصدرت تعليمات لممثلياتها في الخارج بإثارة هذا الموضوع عبر أنشطتها السياسية وتشجيع الجاليات اليهودية المحلية على الانشغال بها أيضاً.

ويلاحظ المتابع لقضية اللاجئين الفلسطينيين أن هناك إجماعاً بين الأطياف السياسية الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث يؤكد الخطاب السياسي أن قضية اللاجئين هي قضية جوهرية، لكن إسرائيل غير مسؤولة عن بروزها وتبعاتها السياسية والقانونية والإنسانية، وبالتالي يكمن الحل- وفق الخطاب الإسرائيلي- بتوطين اللاجئين في أماكن إقامتهم الحالية، أي في الدول المستضيفة، أو إعادة تهجيرهم إلى دول عديدة في العالم مثل كندا وغيرها. وقد صدرت مشاريع وتصورات أكاديمية عديدة حول ذلك بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في نهاية تشرين الثاني 1991.

ويبقى القول إن قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي تعتبر من أهم قضايا الوضع الراهن، نظراً لأنها تطال نسبة كبيرة من الشعب الفلسطيني، تواجه مخاطر جمّة لجهة تصفيتها، عبر تصفية الأساس القانوني المتمثل بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وعلى المفاوض الفلسطيني ابتكار خيارات أخرى أقلها خيار الدولة الثنائية القومية، بغية كشف سياسة إسرائيل بعد رزمة القوانين التي أصدرتها خلال السنوات الأخيرة.


كاتب فلسطيني

8