مسكنات سياسية لتفكيك عقد سد النهضة

الاثنين 2015/12/28

منذ الشروع في العمل بسد النهضة الإثيوبي، والعلاقات بين القاهرة وأديس أبابا تسير على وتيرة كبيرة من الحذر، تتصاعد سخونتها أحيانا، ويتم تبريدها أو تسكينها في أحيان كثيرة، واختلطت التقديرات الصحيحة بالتكهنات والتخمينات الزائفة، ومنح البعض لنفسه الحق في تحديد ورسم شكل العلاقات بين مصر وإثيوبيا، للدرجة التي كادت أن تصل بها إلى الصدام، ودخولها نفقا مظلما بلا رجعة.

وسط كل الأزمات التي جرى الحديث عنها إعلاميا، لم تخرج (تقريبا) تصريحات رسمية من القاهرة أو أديس بابا، وبدا ضبط النفس سيد الموقف على الجانبين، حتى عندما يتم تفسير بعض العبارات التي صدرت من هنا أو هناك على محمل سلبي، كانت تأتي أصوات تدحض المعاني السيئة التي تنطوي عليها.

بعبارة أخرى كانت معالجة الخلافات تتم بالمسكنات السياسية، التي تحول دون المواجهة المباشرة، في أزمة تبدو فيها الحسابات متباعدة، خاصة أنها تحولت تدريجيا إلى مسألة تتعلق بالكرامة الوطنية، وهذه أشد أنواع الخلافات خطورة، فإثيوبيا اتخذتها ذريعة للانطلاق أو الإيحاء بالانطلاق نحو مستقبل واعد، يضعها بقوة على الخريطة الإقليمية، سياسيا واقتصاديا وربما اجتماعيا، لأن مشروع السد به ملامح تحمل تغييرا في التركيبة الديموغرافية في المنطقة المحيطة به.

في المقابل، تملك القيادة الحاكمة في مصر تصورات عميقة للمسألة الوطنية، ونهر النيل بالنسبة إلى الدولة أحد محددات تكوينها التاريخي والاستراتيجي، والتفريط في المياه يتحول إلى عذاب طويل، وبالتالي كان من الواجب التعامل مع أزمة سد النهضة وفقا لسياسة النفس الطويل، والتي فهمها كثيرون على أنها تداري ضعفا أو تقاعسا.

وفي كل مرة التقيت فيها مسؤولين أو قريبين من ملف المياه كان ينتابهم شعور غريب بالاطمئنان والتفاؤل، لم تكن الكثير من جوانبهما واضحة تماما، إلى أن بدأت عمليات التأجيل والتسويف والمراوغة تأخذ شكلا سافرا، وتنقلب التخمينات السلبية إلى ما يشبه الحقيقة الواقعة على الأرض.

ولم يغير المنهج المصري الهادئ ذرة في الموقف الإثيوبي، المصمم على المضي قدما في مشروع سد النهضة، بصرف النظر عن التأثيرات والروافد القاتمة الناجمة عنه، وانعكاسها على مصالح مصر.

هنا تعالت أصوات طالبت بضرورة القيام بعملية جراحية عسكرية لردع إثيوبيا ومنعها من استكمال مشروعها الحيوي، وتصاعدت أصوات أخرى نادت بالتسليم بنوايا إثيوبيا، ومحاولة تقليل الأضرار.

وسط كل الأزمات التي جرى الحديث عنها إعلاميا، لم تخرج تصريحات رسمية من القاهرة أو أديس بابا، وبدا ضبط النفس سيد الموقف على الجانبين

وفي الحالتين كان الصمت المصري الرسمي مستمرا، فقط كانت تخرج تطمينات مبطنة بالتحذيرات تؤكد على أن مصر لن تسمح لأحد بالتفريط في أمنها المائي، ولن تتهاون في ذرة مياه واحدة.

ومع أن هذه النوعية من التصريحات مبهجة ومبشرة، لكن لم تصاحبها خطوات عملية موازية، بل العكس، حيث تأزمت عملية المفاوضات قبل أسبوعين في الخرطوم، وفشل الاجتماع السداسي، الذي حضره وزراء الخارجية والمياه في كل من مصر وإثيوبيا والسودان، في زحزحة موقف أديس أبابا، فقد انفض، أو أرجئ إلى اجتماع بدأ أمس الأحد في الخرطوم ذاتها.

إذا كان اجتماع الخرطوم السابق انتهى بلا أدنى تفاهم جديد، وترك انطباعات سلبية وغيوم سوداء لدى الكثير من الدوائر السياسية، فإن الاجتماع الذي بدأ أمس الأحد، مرجح أن يكون الأمر معه مختلفا.

هناك مجموعة من التطورات حدثت، أكدت أن رهانات النظام المصري على ضبط النفس كانت صائبة، وأن معالجة هذه القضايا بانفعال يمكن أن يؤدي إلى الوقوع في الأخطاء، كما أن الانجرار وراء تضخيم الشائعات والمعلومات التي يتم تسريبها عن عمد قد يفضي إلى مشكلات تستعصي على الحل، فلا سبيل سوى القوة الناعمة وقراءة الأوضاع الداخلية في كل دولة بصورة صحيحة، لتتسنى معالجة الأزمة بطرق تتسم بالمرونة، وتجنب المواجهة الصارخة، فضلا عن استثمار الدبلوماسية النشطة مع جهات إقليمية ودولية مؤثرة.

خلال الأسابيع الماضية، زادت معاناة النظام الإثيوبي الداخلية، وشرعت قبائل الأورومو التي يقطن غالبيتها المنطقة التي يقام عليها السد في تسيير مظاهرات، حذرت في مجملها من نهب أراضيها، الأمر الذي فجر جانبا كان بعيدا عن غالبيتنا، وهو الخلل الحاصل في التركيبة الاجتماعية، حيث تحكم قبائل التيجراي، التي لا يتجاوز عددها نسبة 20 بالمئة من سكان إثيوبيا، بينما تهمل الغالبية الساحقة.

هذه التظاهرات كشفت لأي درجة تبدو التركيبة الإثيوبية هشة، وقد يواجه النظام الحاكم صعوبة شديدة في مواجهة أي انفجار اجتماعي متوقع، لا سيما أن شبح استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993 لا يزال يخيم في الأفق، في كل مرة تشتعل فيها خلافات اجتماعية، فهناك أقاليم تبتغي السير على الدرب الإريتري.

التطور يمكن أن يفرض على أديس أبابا إعادة النظر في حساباتها القديمة، حال اتسع نطاق الاحتجاجات وجرت في السياق نفسه تحركات حثيثة من قبل الجار والعدو اللدود إريتريا، والمتوجسة دائما جيبوتي.

الامتدادات القبلية في هذه المنطقة تمثل خطورة كبيرة، علاوة عن سهولة حدوث انفجار في إقليم الأوجادين الذي احتلته إثيوبيا وتصورت أنها حكمت قبضتها عليه. في هذه الحالة يمكن أن تواجه أديس أبابا طوفانا من الأزمات، وبالتالي عليها أن تتريث كثيرا قبل الدخول في مشكلات خارجية، كالتي يمكن أن يسببها سد النهضة مع مصر.

أضف إلى ذلك عزم بعض الجهات وقف عملية تمويله، وهو ما يسبب لإثيوبيا أزمة طاحنة في توفير السيولة اللازمة للتمويل، في ظل تنامي المشكلات الاقتصادية في البلاد.

كل هذه المعطيات والمؤشرات من الممكن أن تمثل ضغطا، ماديا ومعنويا، على حكومة أديس أبابا، وقد تضطرها إلى تفكيك الكثير من العقد والألغاز التي وضعتها بنفسها، وحسبت أن القاهرة قبلتها على مضض.

غير مستبعد أن تشهد الأيام المقبلة تغيرا لافتا في الموقف الإثيوبي التقليدي، وإعادة تقييم حساباتها السابقة، والتي أدخلتها في صراع مكتوم مع مصر، بدا في لحظات كثيرة أنه على وشك الانفجار.

كاتب مصري

9