مسكين أنت أيها المثقف العربي

الخميس 2015/08/13

المثقف العربي شخص صابر وصبور، قد تهدر بعض حقوقه الشخصية دون أن يجرؤ على الاحتجاج حتى لا يُتّهم بالوصولية والانتهازية والأنانية والفردانية وما شابه ذلك من قاموس سائب. المثقف العربي شخص صابر وصبور، يتوجب عليه أن يحمل شكاوى كل الناس إلا شكاواه هو بالذات، إذ يجدر به أن يتحمل المظالم التي تهبط على رأسه بصمت وكتمان حتى لا يسمع دروسا في وجوب ترفع المثقف عن “صغائر الأمور”.

عندما تتصل أيّ جهة بأي فنان أو ممثل أو مغنٍّ أو خبير في مسائل من قبيل “كيف تصبح زعيما في خمسة أيام”؟ فإنه يسأل ويحقّ له السؤال: كم ستعطونني؟ حتى الشيوخ والدّعاة وعلماء الدين يطرحون نفس السؤال، ويعتبر سؤالهم حقا طبيعيا حتى ولو كانوا سيُستضافون داخل بيت من بيوت الله. لكن المثقف العربيّ حين يُستدعى لإلقاء محاضرة أو لإجراء لقاء إعلامي في أي مكان فإنّه لا يجرؤ في الغالب على طرح السؤال عن المقابل؟ يكتفي مبدئيا بتذكرة السفر، ثم لا يسأل حتى عن ظروف المبيت، بل عليه أن يظهر “الزّهد” في سائر الأمور حتى ولو كانت ظروفه الصحية تتطلب تفاصيل خاصة أو كان متفرغا لا عمل له غير هذا. يعرف أن الندوة التي دعي إليها كلفت تمويلا من جهات داعمة، لكن لا يحق له أن يعرف شيئا عن هذه “الترهات”، ما عليه إلا أن يقول ما عنده وينصرف بسلام. ثم، لدى عودته –لا سيما إن عاد من أميركا أو أوروبا أو الخليج أو لستُ أدري- يجد نفسه مداناً إلى أن تثبت “براءته”. وربما عليه أن يثبت “براءته” ببعض الثرثرات، حتى ولو اقتضى الأمر أن يسبّ أميركا وأوروبا والخليج وكل حكام العالم بلا مناسبة وبلا سبب.

ينهي المثقف العربي تأليف كتاب كلّفه جهدا جهيدا، وسهر عليه الليالي الطوال، فيقدمه لإحدى دور النشر، وقد يتفق –إن اتفق- على نسبة معينة من المبيعات، لكن الأساس أنه لا يعلم ولا يحق له أن يعلم شيئا عن عدد النسخ المنشورة أو الموزعة، والفارق بين الاحتمال والاحتمال يُعدّ بالآلاف، وهذا ليس بالأمر الهين. لا شيء شفافا في محيط المثقف.

وبهذا المعنى يكون المثقف العربي ضحية سهلة ومستسلمة، ضحية لا تقوى على مناقشة حتى أبسط حقوقها الشخصية، طالما يسهل تحويل الإدانة إليها، ونعتها بالجشع اللعين.

يُطلب من المثقف العربي أن يكون زاهدا قانعا، ناسكا ورعا. وهذا مطلب جميل ونبيل. لكن حول “زهد” المثقف يتحلق الكثيرون، يهدرون حقه، يمتصُّون عرقه، وينسجون خيوطا من الاغتناء غير الشفاف. ومرّة بعد كل مرّة، هو من يكون عليه أن بثبت براءته. مسكين أنت أيها المثقف العربي!

24