مسلسلات خليجية تتخذ من السخرية نافذة للإبداع

كان للكوميديا نصيبها من حصة الدراما الخليجية لهذا العام، فقد تميّزت بعض الأعمال التي عرضت في رمضان المنقضي على الشاشات العربية بلجوئها إلى السخرية كسلاح لاذع لانتقاد المجتمع من حولنا، وكوسيلة للترويح عن النفس وسط ازدحام درامي كثرت فيه المأساة والصراعات البشرية، وعلى جميع المستويات.
الخميس 2016/07/21
نقد للمعايير المزدوجة

لم يكن الخيار الكوميدي يوما، خيارا سهلا لطرح الموضوعات الدرامية في قالبه، على العكس تماما، إنه يتطلب من العاملين فيه الكثير من التعب والعمل لكونه يستدعي مقاطعة الأحداث داخل النص مع تلك التي يعيشها المواطن العربي في واقعه عن طريق خفة الظل واقتناص الضحكات.

عدا ذلك، فإن الابتسامة -أو الضحكة- في هذه الآونة تستلزم الكثير من العناء والذكاء ليستطيع العمل المقدّم رسمها على وجوهنا، وهو ما نجحت فيه بعض المسلسلات الخليجية أثناء محاولتها محاكاة الراهن والمعيش لدينا، بينما فشلت أخرى تطرقت إلى تكرار نفسها وإعادة صياغة ما قدّم بالأمس لأجل اليوم.

وقد ارتبطت الكوميديا الخليجية بالنقد الاجتماعي والإنساني والسياسي في معظم الأحيان، إذ صارت السخرية نافذة المبدعين الخليجيين وتحديدا الشباب منهم، للنيل من العالم بجميع أيديولوجياته وعبثياته، ولمنح المشاهد فرصة التفكير والتغيير، وذلك انطلاقا من المشاكل البسيطة جدا التي قد تحدث داخل العائلة، وصولا إلى المحافل الدولية العظمى.

في هذا الإطار، أتى مسلسل “سيلفي” في جزئه الثاني في رمضان المنقضي ليضيء على مآسينا المؤلمة من خلال الضحك والمواقف الطريفة، فبحث في منظومة الثقافة الخليجية وخاصة السعودية، وأضاء على إشكاليات حقوق المرأة واضطهادها إنسانيا وثقافيا من قبل الذين ينصبون أنفسهم حراسا للدين، كذلك خاض “سيلفي” في آليات الفكر العربي بما يخصّ الحلال والحرام وغيرهما من المعايير المزدوجة التي تشكّل عثرات واضحة في طريقنا، وحفر عميقا في قاع المجتمعات بحثا عن أصول التعصب والتطرف ومحاولة اجتثاثها من جذورها.

مسلسلات خليجية اتخذت من السخرية سلاحا لاذعا لانتقاد المجتمع من حولنا، ووسيلة للترويح عن النفس

ومن جهته، قدّم مسلسل “مستر كاش” -من تأليف عنبر الدوسري وحسين الراشد وإخراج أسد فولادكار- رؤيته النقدية للعديد من القضايا الاجتماعية التي تعكس الواقع الخليجي وتقرأه بعين فاحصة ومتيقظة، وهي بهذا تفسح المجال للمتلقي حتى يتمكن من المحاكمة والاختيار، باعتباره الغاية الأساسية.

استدعى أيضا مسلسل “سناب شاف” -وهو من إخراج عبد الخالق الغانم وتأليف سمير الناصر وعبدالله بالعيس وعبدالعزيز إسماعيل- المجتمع السعودي من خلال الضحك، مؤكدا وجود مشاكل خطيرة في دعائمه وأساسياته، هنا ثمة فرص عديدة للسعي نحو الأفضل وابتكار الطرق البديلة التي من شأنها أن تغيّر الواقع.

أما مسلسل “سوبر محصل”، فاستذكر الراوي فيه أحداثا هامة حصلت مع اثنين من الممثلين وتتطلب منا وقفة حقيقية وجادة، وتطرق العمل في شخصياته إلى الفصام الاجتماعي والنفسي الذي يصيبنا عادة بين الحلم والواقع، ففي حين نكون بسطاء لا حول ولا قوة لنا، نتخيل أنفسنا كما لو أننا أبطال خارقون بإمكاننا الوقوف في وجه الشر والقوى العظمى، الأمر الذي تمّت معالجته في قالب كوميدي يعتمد على المواقف المضحكة والطريفة.

وبقي الحكم الأخير في هذه الأعمال وغيرها من تلك القائمة على مبدأ السخرية للجمهور العربي الذي شاهدها في رمضان الماضي ويعاد بث بعضها حاليا، فإما أن يضحك معها وإما أن يضحك عليها.

16