مسلسلات على بعد سنوات ضوئية

عالم يتسابق على سوق الترفيه ويغدق عليها لأنها صيغة المستقبل. وعالم آخر يتقشف في الدراما ويغدق على الأخبار والبرامج الحوارية ثم يسأل لماذا يسود التطرف وتتعمق المشكلات.
الأربعاء 2019/11/13
سباق تسلح بين عمالقة في عالم البث التدفقي

ثمة فرق في الإنتاج الدرامي بين العالم الغربي والعالم العربي. لعمود منوع في الصفحة الأخيرة يمكن لكاتبه المبالغة، سأقول إن المسافة الفاصلة بينهما تقاس بالسنوات الضوئية. ثمة فروقات بالقدرات الإنتاجية والتمويل والتوزيع والزبائن المحتملين. ثمة فروقات بالاحترام أيضا.

يوميا، نجد مسلسلا جديدا في قائمة المسلسلات الناطقة بالإنجليزية التي تضاف إلى خدمات البث التدفقي مثل نتفليكس وأمازون وناو تي.في. في عام 2018 تم إنتاج 492 مسلسلا لصالح هذه الخدمات، بعضها وجد طريقه للمحطات التلفزيونية الأرضية والفضائية، لكن الأغلبية بقيت حصريا للبث التدفقي. في عام 2013 قررت نتفليكس شراء أول مسلسل منتج خصيصا للبث التدفقي. دفعت 100 مليون دولار لقاء الموسم الأول من مسلسل “هاوس أوف كاردز- بيت من أوراق اللعب”. في يومها اعتبر السعر مبلغا كبيرا لقاء مسلسل لن يرى البث عبر الفضائيات أو الأرضيات. بعد ستة أعوام تبدو الصفقة وكأنها أخذت بخصم هائل. اليوم المسلسلات تباع وتشترى بعشرات ومئات الملايين. نتفليكس تنفق 15 مليار دولار سنويا على شراء المسلسلات والأفلام الخاصة بها. استبقت مبكرا جدا تحول شركات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي إلى البث المتدفق واحتكارها لإنتاجها الخاص. استبقت أيضا إحساس شركات الاتصالات والتكنولوجيا بالخطر ودخولها، مثل أبل، عالم البث التدفقي مضطرة وليست مختارة. على حدّ وصف أحد المحللين الغربيين فإن ما يجري هو “سباق تسلح” بين عمالقة وليس منافسة على سوق فقط.

في عالم الدراما العربية علينا أن ننتظر شهر رمضان من كل عام. تخمة الإفطار تقابلها تخمة المسلسلات. ولا نستطيع أن نلوم المنتجين. هذا ما تريده “السوق”. والسوق هنا الفضائيات التي تعتبر رمضان هو الموسم الأهم لديها، في الوقت الذي تترك الأشهر الباقية من السنة للإعادات.

ليست هذه المشكلة. المشكلة في صراع يسبق العرض على الفضائيات. أعرف منتجين عربا يتسوّلون رضا مدراء الفضائيات لكي يحصلوا على حصة من سوق رمضان. العرض الأول عادة ما يكون خسارة للمنتج. المسلسل كلفه 4 ملايين دولار وهو يبيعه للفضائية بـ3 ملايين. أمله أن ينجح مسلسله في اجتذاب الاهتمام، فتحنّ عليه بقية الفضائيات بالإعادة. العرض الأول الحصري بمئة ألف دولار للحلقة (مقابل 10 ملايين دولار للحلقة في الكثير من المسلسلات الغربية). والعرض الثاني أقل والثالث أقل. شيء مزرٍ حقا. المنتج المحظوظ هو الذي يحقق بعض الأرباح. كثيرون دخلوا هذا العالم المرتبك وخرجوا منه. وهذا حال المنتجين. علينا أن نتخيل ما يناله الكاتب مثلا من هذا الفتات.

الكتّاب هم الفئة المظلومة بحق في معادلة الدراما. ليس في العالم العربي وحسب، ولكن في العالم أجمع. لا نعرف الكثير من الكتاب ممن يعيشون من كتبهم. الجميع يعمل أشياء أخرى كمصدر دخل. المشهد الآن تغير في الغرب وصار كتّاب السيناريوهات والحكايات الدرامية، والكتّاب المشاركون في ورش إعداد الحلقات الدرامية، عملة نادرة. الكتّاب في العالم العربي يبقون للأسف عملة مبعثرة.

سنوات ضوئية. هذا الوصف المعقول. عالم يتسابق على سوق الترفيه ويغدق عليها لأنها صيغة المستقبل. وعالم آخر يتقشف في الدراما ويغدق على الأخبار والبرامج الحوارية ثم يسأل لماذا يسود التطرف وتتعمق المشكلات. لعل الإنقاذ يأتي من اهتمام عمالقة مثل أبل ونتفليكس وأمازون بالسوق العربية. سيكون على مدراء الفضائيات البحث عن وظائف جديدة. ستنتظرهم القروش التي كانوا يدفعونها للمنتجين.

24