مسلسل الاتصالات كوابيس للشعب

غلاء المعيشة ضرب بقوة قطاع الاتصالات بتونس.
الثلاثاء 2018/03/06
زيادات مشطة

“طوق النجاة” هكذا يتراءى لي وجود هاتف محمول بحوزة أي فرد منا، سواء أكان كبيرا أم صغيرا، إلا أن غلاء المعيشة ضرب بقوة قطاع الاتصالات بتونس.

ولم يعد بمقدور الأفراد تبادل رنة صغيرة تنبه الطرف الآخر لحاجة صاحب الرنة العاجلة إلى أن يتم الاتصال به على الرغم من وجود رصيد بالهاتف، لكنه وفق ارتفاع الأسعار لا يكفي حتى لهذه الرنة، ناهيك عن إجراء اتصال.

والأدهى والأمرّ أنني عايشت موقفا غريبا منذ عدة أيام يتمثل في أن صاحب دكان استوقف امرأة طلبت منه تحويل مبلغ معين ـوهو أدنى مبلغ في عمليات تحويل رصيد للهواتف المحمولة- لهاتفها قائلا لها إنه بداية من غرة يناير لم يعد بالإمكان تحويل أقل من ضعف هذا المبلغ، فامتثلت على مضض.

الموقف برمّته جعلني أتدخّل في حوار حادّ مع صاحب الدكان والسيدة، ولكنني أدرك أن لا ذنب لهما؛ فهو عبد مأمور وهي مكرهة على شحن رصيدها، وأن هذه جريرة شعب برمته لا جريمة فرد بعينه، فبعملية حسابية بسيطة سنتبيّن أن رب العائلة مطالب بصرف، لنقل ثلث مرتبه، على أرصدة هواتف أسرته مهما كان عددها، ودافعه لذلك الاطمئنان على أبنائه وزوجته أثناء تواجدهم خارج المنزل.

وهذا الحرص من أولياء الأمور على اقتناء الهواتف المحمولة لأطفالهم مهما كانت أعمارهم ومستوياتهم العلمية، ومراقبتهم للأرصدة وشحنها باستمرار حتى لا تنفد، باعثه خوفهم الشديد على أبنائهم، ولا سيما في ظل رواج أخبار من قبيل عمليات اختطاف وضياع وسلب وضرب وقتل.

وهنا يأتي سؤال مهم؛ لو أن أحدهم تعرض فعلا لأي حادثة سواء أكانت بسيطة أم خطيرة وكان رصيد هاتفه لا يسمح له بالاستنجاد بذويه، فبماذا سينفعه هاتفه المحمول مهما غلا ثمنه وارتفعت قيمته؟ سيكون عاجزا تمام العجز وكأنه يحمل بين يديه لعبة تحاكي الهاتف البلاستيكي الذي كان أهلنا ونحن صغار يسترضون شغفنا به، وكانت هذه اللعبة الصغيرة مزدانة بألوان وصور ورنات مستوحاة من عالمنا الطفولي، مقارنة بأطفال الجيل الجديد الذين يحملون نسخا حقيقية من آخر ابتكارات عالم الاتصالات.

في السابق كان بالإمكان إجراء محادثات حتى وإن كانت قصيرة جدا بما هو متاح من رصيد، غير أنه اليوم رغم عمل المشرفين على قطاع الاتصالات على توفير صيغ يمكن عبرها تنبيه الآخرين لحاجتنا الماسة إلى اتصالهم بنا، فإن هذه العمليات لا تخرج عن كونها أحد أساليب نهب الأرصدة وهي قاصرة عن القيام بمهامها، والاستنجاد بها محدودة للغاية.

ولكن ما العمل وهذا القطاع يعلم علم اليقين مدى حاجتنا الراهنة إلى وجود الهواتف المحمولة بحوزتنا وبحوزة أبنائنا؟ هل في المقاطعة حل يفك طلاسم هذه الزيادات التي تكاد لا تنفك تظهر من هنا أو هناك وتعمق صدمة الأفراد واصطدامهم بواقع معيشي لا يتطابق مع رواتبهم أم علينا الرضوخ والانصياع لأمر مفروغ منه؟

ولعل المشكلة الحقيقية التي يدركها المشرفون على قطاع الاتصالات جيدا، ويرتكزون عليها في زياداتهم المجحفة ووضعهم لحجرات عثرة في طريق أصحاب الهواتف المحمولة قصد إجبارهم على شحن أرصدتهم في فترات متقاربة هو إيمانهم بعجز الأفراد بمختلف الشرائح العمرية على التخلي عن هواتفهم التي أدمنوها، إلى حد انقلاب نسيان الهاتف بالمنزل أو مكان العمل أو أي فضاء آخر أمرا كارثيا لا قبل لصاحبه بتحمله، بل إنه يستدعي أحيانا كثيرة العودة على الأعقاب لجلب الهاتف الذي بات سيفا مسلطا على الرقاب بما يحمله من بيانات شخصية قد تقحم صاحبه في مشكلات وعمليات ابتزاز لا حصر لها.

ولعل هذه اللقطة الطريفة من المسلسل المصري “عايزة أتجوز”، حين قبلت البطلة هند صبري على مضض بزوج كانت تنعته طوال الحلقة بتويتي لقصر قامته، لكنه رفضها بدعوى أنه لا يقبل الزواج بعروس معها ابنها، وأنه لا يرضى أن يصرف على كليهما، فاستنفرت كل عائلتها لأنه بهذا يطعن في شرفها، فما كان منه أمام العيون الحانقة والأيادي المتأهبة إلا أن أوضح أنه يقصد هاتفها المحمول وما يتطلبه من مصاريف كثيرة، تقدم خلاصة القول في مسلسل الاتصالات بوصفها كوابيس للشعب.

21