مسلسل "الاختيار".. لمحات من تجربة ذاتية للخروج من أَسْر الإخوان

الحركات الإسلامية باختلاف مشاربها تعيش عوالم بعيدة عن واقعها.
الأربعاء 2020/05/13
الوطن بوصفه خيارا واعيا

وفر مسلسل الاختيار فرصة للتعرف على عوالم التنظيمات الإرهابية من الداخل، وما يسودها من قواعد تنظيمية وهيكلية صارمة، تحث على الانضمام وتجعل الخروج من التنظيم أمرا شديد العسر. والربط بين ما قدمه المسلسل من إضاءات على التنظيمات الإسلامية، وبين بعض التجارب الشخصية داخل جماعة الإخوان، مفيد لناحية تبين قدرة الجماعات الإسلامية على انتزاع ميزة الاختيار لدى أعضائها وإلغاء الإرادة والحرية.

بين "الاختيار" المُسلسل وقراري الشخصي بمغادرة جماعة الإخوان، مساحة رحبة للتأمل بعينِ من عاش في عالم تنظيمات التطرف والإرهاب (الإخوان)، وتبقى المسافة بين الدراما والواقع أبعد من أن تُقارِب بينها معالجات فنية موسمية الاستهلاك، لأنها مسافة تزداد اتساعا كُلما ظل الهدف هو تقديم تجليات فعل الإرهاب المسلّح، ولا تجسيد لتفاصيله بكل ما تحمله دلالات كونه عالما.

ومن سيختار ذلك لن يكون نموذجه الإرهابي هشام عشماوي الذي كان ضابطا سابقا في الجيش المصري، إذ أن هذه الشخصية بخصوصيتها تُمثل شذوذ قاعدة تكوين الإرهابي التي عادة لا تقوم على أي اختيار من المُختار.

بعد رِحلة حياة داخل عالم الإخوان، دامت لأكثر من عقدين تقريبا، لم أصادف إخوانيا كان اختياره أن يكون من الإخوان، وبالتأكيد كل من يقرأ هذه الأسطر، من قياداتٍ أو قواعد إخوانية، ستحضر في ذاكرته القريبة والبعيدة ذكريات لجلسات سمر في الأسر والمعسكرات، كانت تحمل في فقراتها ذكريات لأول خُطوات التجنيد والتي يسمونها “الدعوة الفردية”.

يتذكرها الإخوان في جلسات سمرهم ويسرد كل منهم تفاصيل تفاعلاته مع من يدعوه وكيف ساقهُ لدخول التنظيم دون أن يكون له أي اختيار. يتذكرون في سمرهم كيف سُلبت إرادتهم ابتداء ويضحكون، فقد باتوا يمارسون على غيرهم فِعلَ سلبهم الاختيار.

كما تحمل تفاصيل الرحلة، تجارب عدة لأعضاء في مستوياتٍ متعددة داخل مصر وخارجها، جميعهم انفضح أمامهم التنظيم على مستوى الأفكار والمسارات وحتى الشخصيات، وجميعهم يمارسون فعل النقد الداخلي، أو كما يسميه التنظيم “التناجي الداخلي”.

وحال تكرار النقد الداخلي بين نفس شخصيات من الإخوان تصنفهم القيادة باعتبارهم “جيب”، لكن أحدا مِن أعضائه لا يجرؤ على أن يتخذ قرارا بالمواجهة، وتدريجيا يبدأ تبرير عدم قدرته على الاختيار، عبر تأصيلات مناهج ومحاضرات قسم التربية، فتارة يقتنع العضو ذاته بأن الإخوان على كل ما فيهم أفضل من غيرهم، وثانية يُذكر بأن جماعته جزء من المجتمع الذي يسعى لإصلاحه بكل أمراضه، بالتالي فإن الصبر عليها أولى، وثالثة يخدِرُها بِخدرِ الطاعة إذ أن إخوانه لا يدعونه إلى معصية، وهم من لا يشقى جليسهم، وإن كان فيهم من نقص فذاك بِفعل نقصٍ في من قبلهم.

مبررات ترفض الاختيار

في مسلسل الاختيار طرفا القرار هما الضابط أحمد منسي والإرهابي هشام عشماوي، أي من قرر الانحياز للوطن ومن كفر به

هكذا يجد “الأخ” أكثر من بديل لتبرير استمراره حين يكتشف حقيقة تنظيمه، والحقيقة أنها مُبررات ترفض الاختيار بين العالم الواقعي الذي كان مِنه، وبين تفاصيل عالمِه الذي تم اقتياده إليه. عالم تنظيمي صنعه حسن البنا.

في كتابه “ذكريات لا مذكرات” شرح المرشد الثالث عُمر التلمساني معالمَه فيقول نصا “كانت جهوده مركزة على تنشئة جيل يعتنق دينه على أنه دين ودولة ومصحف وسيف وعبادات ومعاملات وتربية وأخلاق سياسة واقتصاد اجتماع وقضاء وكل شيء في هذه الحياة نظام شامل وقانون كامل ينظم الحياة في أسمى مراقيها إلى آخر مطالبها”.

هذا الجيل التنظيمي الذي نشأ أمام أعين التنظيم هو عالمه، القادر على حمل تكاليفه حسبما يصل من القيادة، والتي تبدأ بأدوات الربط العام، ومنها التبسم في وجه الغير تحقيقا لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، ولا تتوقف حتى تبلغ ذروة سنام “أهداف مواطني هذا العالم” وهو “الجهاد سبيلنا”، وصولا إلى أن ينالوا أسمى غايات الوجود “الموت في سبيل الله”.

حينَ يُختار عضو التنظيم لدخول عالمه، يكون قد آمن بأركان (الأسرة) أصغر خلايا عالمه التنظيمي، والتي تقوم بحسب أصول الدعوة، التي وضعها المؤسس، على التعارف والتفاهم والتكافل، إننا نتحدث عن خمسة أعضاء على الأقل ومعهم القائد (النقيب)، جميعهم ارتبطوا إنسانيا بقائدهم، ومن خلاله أصبحوا كُتبا مفتوحة أمام القيادة، وعبره يُحملون إلى علاقات جديدة مع إخوة جُدد يلتقونهم في مناسبات عامة وخاصة.

تدريجيا يبدأ عالم التنظيم في التغلغل داخل أعضاء الأسرة، في مقابل انسحاب عكسي من العالم الواقعي، إنها الترجمة العملية للتفاهم الذي أشار إليه البنا في أركان البيعة، وصولا إلى التكافل بين أفراد المجتمع التنظيمي المؤهِّل للاستغناء عن كل ما هو خارج عنه.

يصبح للفرد أسرته في عالمِه الجديد التي تفهمه جيدا وتُغنيه عما سواها من عبادات وعلاقات ومُعاملات وحتى انحرافات، وهذا الواقع حين يُقرر العضو الفكاك منه، يُصبح الاختيار عسيرا بين حياة مضمونة بكل تفاصيلها، وبين أخرى مجهولة التفاصيل ولا تخلو من تربص دائم.

كُلما ارتقى العُضو في عالم التنظيم يُصبح عليه دوما الاختيار بين السمع والطاعة وبين إرادتِه، وكُلما اقترب من دوائر القيادة المركزية، بات الاختيار أكثر قسوة، فقياداتُ التنظيم “الرباني” ترى أنها “ربانية” الأمر والنهي حسما لولاء الدوائر المحيطة بها، ولذا كان مكتب الإرشاد هو عش الدبابير الذي لن يكون الخروج منه بنفس درجة يُسر دخوله.

هكذا أوصاني المهندس الراحل محسن عبدالفتاح القويعي عام 2004، وكُنت قد ذهبت إليه في مدينتنا دمنهور، بشمال القاهرة، لأستشيره في قبولي عرض المهندس خيرت الشاطر لإدارة موقع التنظيم الرسمي “إخوان أون لاين”، إنه الرجُل الذي أسس تنظيم الإخوان في بعثه الثاني بمحافظة البحيرة عام 1971، وهو نفسه الذي غادر التنظيم ثم ماتْ بأزمةٍ قلبية عام 2012.

راح يُذكرني بمقولته بعدها بخمس سنوات حين أخبرته أني قررت أن أقلب الطاولة على رأس قيادات الإخوان بعدما تبيّن لي أن المسؤول عني المباشر الرئيس الراحل محمد مرسي استخدمني لإقناع المرشد السابق مهدي عاكف بالعدول عن استقالته.

أذكر أن القويعي يومها انفعل قائلا “تبقى حُمار لأنك ستفتح عليك أبواب لا قِبل لك بها، وستُفاجأ بحصار من كل من تعرف ومن لا تعرف، ويقال عنك أكثر مما قال مالك في الخمر”. وكانت وصيته حينها الصبر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

حين تنفستْ مصر نسمات الربيع العربي الذي سرعان ما استحال خريفا، دفعتني هذه النسمات نحو الاختيار بين عمر في عالم التنظيم وبين قادم مجهول خارجه، إنه الفتح الذي ربما كان مردُّه أن دخولي إلى التنظيم كان دافعه البحث عنهم بعدما نشأت صبيا يسمع عن الإخوان من خُطب أشرطة الكاسيت التي كان نجومها في الثمانينات من القرن الماضي الشيوخ، عبدالحميد كشك وأحمد المحلاوي وبعدهم يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي، وربما هو المدد النابع من بيت والدي الشيخ الأزهري وما علمني إياه وتعلمته في الأزهر، بلا شك كان للعمل بالكتابة أثره.

الفعل الإنساني

دخول إلى الجماعة وانسحاب من العالم
الوطن بوصفه خيارا واعيا

لكن الاختيار كفعل إنساني يبقى استثناء من قاعدة تنظيمية أساسها انتزاع ميزة الاختيار وترك العضو نهبا لأسئلة المصير بعد الخروج، من سيصاحب، ومن سيسامر، ومن سيشارك؟

في القصص التي يتم تداولها داخل عوالم التنظيم مئات النماذج لأفرادٍ ناصبوا الإخوان العداء فحاق بهم كُل سوء، ومِن أشهر هذه النماذج الدكتور م. ر. الذي انشقّ عن الإخوان مُعلنا استقلاله بتنظيم جامعة الأزهر مطلع التسعينات وأعلن أنه ومن معه (الإخوان الأُصل)، وإلى يومنا هذا يروي الإخوان وقياداتهم كيف انفرط عقدُ تنظيمه ولم يجد من يكفل أسرته حين ألم به المرض إلا الإخوان الذين عاد إليهم نادما على ما فعل.

يكون الاختيار أمام قواعد التنظيم بين الانسحاق في عالمه أو الخروج عنه لمواجهة المصير المجهول خارجه، ويردد بريد الإخوان عبارتهم الشهيرة “ابتغوا العزة في غير دعوة الله فكان عاقبتهم الذل”. وهذه المقولة تأتي تجسيدا ليقين سدنة عالم التنظيم أنهم ودعوة الله سواء بسواء.

توثق لجنة التاريخ بالتنظيم وقائع تأييد علماء الإخوان للرئيس جمال عبدالناصر في العام 1954 تحت عنوان “مؤتمر تاريخي فريد لأئمة المساجد”، وفيه تُسردُ الوقائع التي تمت بمؤتمر مسجد “شركس” بالقاهرة، بحضور علماء ودعاة وأئمة مساجد، وجميعهم كانوا من الإخوان. وتحدثوا في المؤتمر عن ضرورة العمل على تطهير المجتمع من الغش الديني الذي يُستخدم لإغراء الشباب بمبادئ لا يقرها الدين، لأن الخطر في هذه المعتقدات والمذاهب التي تستند إلى الدين وتعيش عليها طوائف وجماعات من المسلمين.

يغلق هذا الواقع مساحات للاختيار أمام أعضاء تنظيمات التطرف والإرهاب، يقابله واقع آخر متشكك في كل من يأمل الفرار. وشخصيا خلال السنوات التسع الماضية كم لاحقتني اتهاماتُ بكوني “طابور خامس” لأن الإخواني لا يتوب.

كنت أسمعها ممن يُقدموني للحديث لمواجهة حُكم الإخوان، وهي اتهاماتٌ لها ما يدعمها من نماذج كُلفت بالخروج عن الإخوان للعب دور المعارض، أو اختلفت مع إدارة التنظيم لا منهجه، وعادة ما يدعم الإخوان مثل هذه التُهم، إذ أن صالِحَه يظلُ مرهونا بترسيخ عدم مصداقية الفارين منه.

الاختيار كفعل إنساني يبقى استثناء من قاعدة تنظيمية أساسها انتزاع ميزة الاختيار وترك العضو نهبا لأسئلة المصير بعد الخروج

ربما كان هذا التحدي الأصعب في رحلة الفرار من التنظيم وهو الذي دعاني لاسترجاع لقائي مع أحد قادة التنظيم الذين عايشوا البنا، كان ذلك في يونيو 2011 بعد إعلان استقالتي، دعاني لصلاة الفجر وتناول الفطور مَعه لمُناقشتي في موقفي، وفي نهاية اللقاء الأخير بعد طول علاقتنا في عالم الإخوان، قال القيادي وهو يصافحني “ربما لو كنت في مِثل عُمرك وصحتك لفعلت مثلما فعلت ربنا يوفقك”.

هذا هو واقع الاختيار في عالم هذه التنظيمات، أما في «الاختيار» ، المسلسل الذي يحتل صدارة الدراما الرمضانية هذا العام، فعوالم طرفيْ قرار الاختيار الضابط أحمد منسي، والإرهابي هشام عشماوي، بحسب ما صاغه كتابةً المؤلف باهر دويدار، وأنتجه صورةً المخرج بيتر ميمي، بين منْ قرر الانحياز للوَطن ومَن كفَر به، حيث ظهرت حالة فرز تُحيلنا إلى شخصياتٍ أُحادية البعد مُصَنَفة مُنذُ اللحظةِ الأولى لظهورها.

يمكن لأي مُشاهد أن يتنبأ بردود أفعالها في المواقف التي ستستجدّ على تتابع المَشاهِد، وهو ما يضيفُ لمِثالية رمزية أحمد منسي، ويرسخ لوحشية ما يمُثِلُه عشماوي من توجهٍ وأفكار، لكنه في ذات الوقت يُعادِلُ طرَفي معادلة غير متعادلة أصلا بين جيشٍ وطنيٍ وميليشيات مُسلحة.

تبقى الإشكالية المزمنة في أحادية التعاطي أنها تسير بالمُشاهد في فلك متكرِر لتناوِل النموذج الأكثر تطرفا لعوالم تنظيمية استقرت خطوط إنتاجِها بشرا، ثم تطورتْ لتُنتِج عشماوي وغيره من القتَلة، الأمر الذي يجَعل فِعل المقاومة الفني الدرامي قاصرا على مواجهة إنتاج الإرهاب المُسلح، بينما خطوط إنتاجه الأخرى تعمل ضمن مصنع الإرهاب الكبير، عوالم التنظيم. هذا التقييم يسير في محاولة لتقديم قراءة ذاتية لتجربة الاختيار بين الحياة والتنظيم، أو بين الدين والجماعة، أو بين الوطن والبيعة، أو بين الانتماء للإنسانية والجُندية التنظيمية.

هذه الخيارات، في مُجملها، تُمثل مُحصلة الخيارات التي تقلبت على كاتب هذه الأسطر حين قرر قبل تسعة أعوام من الآن وتحديدا في مايو 2011 أن يعلن اختياره للاستقالة من الإخوان بعد ثلاثة وعشرين عاما قضاها في عالم التنظيم، حيث كان القرار بالفرار، بينما كان قرار الإخوان هو التأهب للتمكين في مصر.

وبهذه الخلفية لقراءة الاختيار كعمل درامي لا يُمكن إغفال قطاع الجمهور المستهدف من المخدوعين بشعارات وخطابات تنظيمات الدين السياسي الإسلامية، فعلى اختلاف مشاربهم ومسمياتهم، بداية من الإخوان وليس انتهاء بداعش، جميعهم يعيشون في عوالم تنظيماتهم بالتوازي مع عالمنا الواقعي، وحينَ يُشاهدون محطات عشماوي ومن على شاكلته في الاختيار لا يرون إلا ما يُراد لهم ولنا رؤيته من هذا العالم، وهو ما يزيد من تمسك كل طرف بمواقفه دون إحداث حالة الوعي المحفِز للتفكير المؤهل لاختيار أوعى.

تظل معركة الوعي هي الفيصل في حرب الإنسانية والإرهاب، ويَبقى قرار الاختيار بين دراما تدعم كشف سراديب تنظيمية مُظلمة تقود سكانها تدريجيا من مستوى التطرف الفكري إلى العملي فالمسلح، وبين أخرى تُقرِر حصر الاختيار بين من يحمل السلاح حماية لوطنه ومن يحمله دعما لتمكين متوهم، ويضمن هذا الاختيار المحاضن الآمنة لنمو وتكاثر قاطني عوالم الظلام، أما في الاختيار الأول فيُجبرهم الكشف على رؤية تفاصيل عوالم مظلمة استدرجوا إليها بما يدفعهم ليأمنوا الاختيار بالفرار نحو الحياة.

13