مسلسل التغيير في الجزائر يفقد بريقه

تتداول دوائر سياسية وإعلامية بقوة قرار التغيير الحكومي المنتظر، وتتحدث عن إنهاء مهام وتسميات جديدة ونقل وجمع بين الحقائب، وعن ذهاب عبدالمالك سلال وعودة أحمد أويحي، أو ترقية عبدالمجيد تبون إلى منصب رئيس الوزراء، ما يكرس لعبة التداول على المناصب وتبادل الأدوار بين وجوه السلطة الحاكمة.
السبت 2016/12/10
الحكومة تحتاج دماء جديدة

الجزائر – تضاربت المصادر بشأن التغيير الحكومي المرتقب في الجزائر، وجزم البعض بحدوثه في القريب العاجل، وبرروا ذلك بحاجة السلطة إلى ضخ دماء جديدة في الجهاز التنفيذي لإنهاء حالة عدم الانسجام والتسيب، حيث تم تداول الأسماء التي سيقع استبعادها أو التي ستحظى بمناصب جديدة في الدولة.

واستبعد البعض الآخر القرار في الظرف الراهن، كون الانتخابات التشريعية ستكون بعد أقل من ستة أشهر من الآن، ومهما كانت النتائج فإنها تفرض على الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تشكيل حكومة جديدة تماشيا مع المشهد السياسي المرتقب.

ويرى النائب البرلماني السابق والقيادي في حركة النهضة، محمد حديبي، في اتصال لـ “العرب”، أن تلهية الشارع بالتغيير الحكومي لن تجدي نفعا، لأن آليات الحكم لم تتغير، ودور الحكومة ليس صناعة السياسات والقرارات، وإنما دورها تصريف المهام في نظر السلطة، أما الحكومة الفعلية التي تصنع القرارات ولا تتحمل مسؤوليتها، فهي خلف الستار.

وقال “إن التغيير لن يكون مجديا وفعالا، لو لم يتم إرجاع أمانة الحكم إلى أهلها وهو الشعب، فتغييب الشعب في العملية كلها، هو سبب خراب منظومة الحكم وصراع أجنحته”.

وأضاف أن “لا مناص من الذهاب إلى رؤية استراتجية مدروسة، تقوم على إعادة قطار الحكم إلى السكة، عبر بوابة الانتقال الديمقراطي السلس والهادئ، تتم خلاله إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق معايير الحكم الرشيد، وبعيدا عن منطق عصب الحكم السرية المهتمة بإفساد كل ثقافة أو لبنة في الطريق الصحيح”، مبينا أن ذلك يجب أن يكون بالموازاة مع رؤية اقتصادية واجتماعية للدولة “تعمل على تحرير القرار الاقتصادي من يد جماعات الظل، وإرجاعه إلى مؤسسات الدولة والإرادة الشعبية”.

محمد حديبي: تغييب الشعب في عملية الحكم كلها سبب خراب منظومة الحكم

وبات الأداء الحكومي وبعض المؤسسات التنفيذية، محل انتقادات حادة، من طرف دوائر مختلفة، خاصة في ظل حالة الانفلات والتسيب وعدم الانسجام المسجل منذ أشهر بين مختلف الدوائر الوزارية، حيث طفت إلى السطح خلافات وحتى ملاسنات تنم عن غياب التنسيق بين بعض الوزراء، وشغور سلطة تحكيم مركزي تفرض رؤيتها على أداء الحكومة.

وفقدت قرارات التغيير المتعاقبة في الجزائر منذ العام 2013 بريقها، ولم تعد تغري الرأي العام والمتابعين، بسبب فشلها في تحقيق التغيير المأمول، وحلحلة حالة الانسداد الشامل في البلاد.

وتعود أسباب ذلك، أولا، إلى أن التغييرات تمت وفق توازنات أجنحة السلطة، ولم يتم في النهاية إلا تدوير المناصب والمهام، والتداول على مواقع النفوذ بين وجوه الزمرة الحاكمة.

واللافت في سلسلة التغييرات التي باشرها الرئيس بوتفليقة منذ العام 2013، أنها أفضت إلى تناوب على المناصب وتدوير المسؤوليات في مؤسسات الدولة بين وجوه النخبة الحاكمة، فبينما استغني عن البعض في الحكومات السابقة، تم تحويلهم إلى الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الأمة) في إطار حصة الثلث الرئاسي، أو إلى السلك الدبلوماسي كما هو الشأن بالنسبة إلى الرجل الأول في الحزب الحاكم جمال ولدعباس.

وتتداول دوائر سياسية وإعلامية بقوة قرار التغيير الحكومي المنتظر، وتتحدث عن إنهاء مهام وتسميات جديدة ونقل وجمع بين الحقائب، وعن ذهاب عبدالمالك سلال وعودة أحمد أويحي، أو ترقية عبدالمجيد تبون إلى منصب رئيس الوزراء، ما يكرس لعبة التداول على المناصب وتبادل الأدوار بين وجوه السلطة الحاكمة. وتحاول هذه الدوائر تبرير ذلك بـ “ضخ الدماء الجديدة ” وتحريك الدوائر الوزارية الفاشلة، والتعاطي الإيجابي مع تداعيات الأزمة الاقتصادية.

وقال حديبي إن “حالة الانفلات والتسيب وإهدار هيبة الدولة وتغييب ثقافة ممارسة لمنظومة الحكم هي نتاج طبيعي لوجود عصب داخل النظام يأبى أن يتزعزع من مكانه أو أن يخضع للوضع الجديد، وأن الخوف من وقوع مصالحه تحت حالة التأميم أو تحت طائلة توازنات جديدة يزيده تمسكا

بمواقعه”.

وأضاف “لا يخفى على أحد أن الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة، وتأثيره المعنوي على دوائر صناعة القرار في السلطة، مهدا لميلاد أقطاب نافذة تريد الاستفادة من الوضع، وتشكيل مماليك داخل الدولة في حد ذاتها”. وتابع قائلا إن ذلك “يظهر أنها تمددت وتمادت في ظل غياب رادع سلطوي قوي داخل منظومة الحكم، يقف في وجه هذا الترهل في مؤسسات الدولة، ويحد من الصراعات العلنية على النفوذ والثروة”.

وكانت نيران صديقة قد أطلقت في بيت السلطة منذ عدة أشهر، بدأت باتهامات صريحة لوزير السياحة الحالي عبدالوهاب نوري لسلفه عمار غول، حول ملفات فساد في منتجع “دنيا بارك” السياحي بالعاصمة، لتشمل التناقض غير المبرر بين وزير السكن عبدالمجيد تبون ورئيس الوزراء عبدالمالك سلال، ثم الصراع المفضوح بين الحكومة ومنتدى رؤساء المؤسسات في لقاء الاستثمار والأعمال في أفريقيا، الذي احتضنته الجزائر مؤخرا، مرورا بملاسنات علنية بين رئيس الكتلة النيابية لحزب جبهة التحرير الوطني، محمد جميعي، ورئيس الغرفة الأولى للبرلمان (المجلس الشعبي الوطني)، العربي ولد خليفة، والتي عكست خلافات عميقة بين الرجلين حول منصب وزاري في الحكومة القادمة. ويصف قيادي حركة النهضة الوضع في الجزائر بـ”غير المحسود عليه”، بسبب ما يراه “انسدادا سياسيا بين السلطة والمعارضة، وتفكك البنية الداخلية لنظام الحكم، وترهل الوضع الاقتصادي، وحزمة الإجراءات الحكومية المؤلمة، لمواجهة الأزمة الاقتصادية والإفلاس المالي، مقابل حالة الغليان الاجتماعي وبوادر انفجار شعبي، يمكن ملامسته في توسع دائرة الاحتجاجات والتململ والسخط على الوضع”.

ويرى المتحدث أن الجزائر أمام أخطار إقليمية وأمنية، لم تجد إلى حد الآن جبهة داخلية متماسكة، بسبب الإفلاس السياسي للسلطة.

للمزيد:

الجزائر.. الاضطرابات قادمة من الجنوب

4