مسلسل العنف في الدراما التونسية يتواصل

الجمعة 2016/09/16
"الأكابر" انتقام طبخ على نار هادئة

شهدت الدراما التونسية منذ ثورة 14 يناير 2011 طفرتين على مستويين مختلفين وإن اجتمعا في سياق واحد، تمثلت الأولى في الطفرة الإنتاجية على مستوى الكم الدرامي الذي رافق الانفتاح القنواتي غير المسبوق الذي فاق العشر قنوات بين حكومية وخاصة، أما ثانيتهما فتمثلت في تلك القفزة العملاقة نحو المجهول في طرح قضايا العنف والجريمة والخيانة والدعارة والمخدرات والإرهاب والتشدد الديني.

“نجوم الليل”، “ناعورة الهواء”، “مكتوب”، “الريسك”، “أولاد مفيدة”، “ليلة الشك” وغيرها، هي غيض من فيض مما شاهده المشاهد التونسي من مسلسلات في السنوات الماضية، والتي كان محورها الأساسي العنف بكل تجلياته ومشتقاته اللفظية والجسدية، الأمر الذي أصابه في مقتل من حيث كم الكآبة والإحباط الذي بات يعيشه في يومياته ومسلسلاته.

استبشرنا في رمضان المنقضي ببعض العناوين التي أتت مخالفة في تسميتها للعناوين السوداوية للمسلسلات التونسية السابقة الذكر، فأتت في شكل عناوين براقة باعثة على التفاؤل، ولو قليلا، من قبيل “الأكابر” و”دنيا أخرى” و”وردة وكتاب”، لكن بقيت دار الدراما التونسية على حالها.

فحتى المسلسلات الكوميدية من قبيل “دنيا أخرى” جاءت محتفية باللكم والضرب والدماء، موغلة في طرح قضايا الوصولية والانتهازية والخيانة في قالب هزلي مُبتذل ومُفتعل، كما قدّم المسلسل الدرامي “وردة وكتاب” الذي خلنا في البداية أن عنوانه الرومانسي سيعيد لأذهان التونسيين بعضا من ذكريات مسلسل “الخطاب على الباب” العائلي المرح، أو “قمرة سيدي محروس” التاريخي السلس، أو “صيد الريم” النقدي الاجتماعي، وجميعها بالمناسبة أنجزت قبل ثورة 14 يناير.

في المقابل، أتت ورود “وردة وكتاب” أشواكا من حيث الإخراج والديكور، بل وحتى “الميك آب” أصلا، في حين جاء كتابه سجلا مفتوحا للظواهر الاجتماعية السلبية التي سادت المجتمع التونسي قبل الثورة وبعدها، من قبيل استغلال النفوذ والفساد الإداري والإرهاب والتشدد الديني والمخدرات، وكأنه يعيد إنتاج ما وقع على تونس من جور وعنف دون زيادة ولا نقصان، بل وبالكثير من النقص على مستوى الحبكة الدرامية.

أما “الأكابر” فأتى قصة انتقام محبوكة التفاصيل، وما يعنيه الانتقام من تربّص ومخاتلة ثم انقضاض لا يخلو بدوره من عنف مادي ومعنوي يصل حدّ القتل بأعصاب باردة.

محاكاة الواقع كما هو لا تقدم ولا تؤخر، بل وتؤخر من حيث الخلق والطرح المبتكر الذي يبدع شيئا جديدا على ما ينتجه المجتمع ويعيشه في حله وترحاله اليومي، مما يقيم الدليل أكثر على أن أزمة الدراما التونسية لا تكمن في اللهجة ولا في المواهب التمثيلية أو الإخراجية التي عرف بعضها النجومية العربية وباتت الحصان الأسود فيها، بل إن الأزمة الحقيقية للدراما التونسية أساسها الخيال، ومتى توفّر الخيال عاد المشاهد التونسي إلى قنواته ومسلسلاته.

16