مسلسل القاصرات قتل للطفولة باسم الزواج

الجمعة 2014/12/05
الفقر والحاجة يدفعان الآباء إلى تزويج بناتهم في سن مبكرة

القاهرة- ما إن تصل فتيات بعض قرى مصرية إلى مرحلة النضج حتى تبدأ أعين السماسرة ممن احترفوا زواج القاصرات للسياح المسنين في ترصدهن بغرض التجارة بأجسادهن في بورصة تعلو وتهبط حسب جنسية الزوج ومدة عقد الزواج.

تتنافس قرى في مراكز الحوامدية وأبو النمرس والبدرشين (جنوب محافظة الجيزة) على الزواج السياحي في مصر، حيث احتلت محافظة الجيزة المركز الأول في زواج القاصرات وبالتحديد مركز الحوامدية الذي تصدر القائمة في تزويج فتياته قبل سن 18 عاما بنسبة 8.3 بالمئة، يليه مركز أبو النمرس بنسبة 6 بالمئة، وأخيرا مركز البدرشين بنسبة 3.4 بالمئة وذلك وفق دراسة أجراها المركز الديموغرافي بمعهد التخطيط القومي.

وتتذكر سماح طه الشابة الريفية الجميلة كلمات أحد جيرانها منذ ستة أعوام، وهو يقول: “كبرتي يا سماح”، ولم يمض الليل حتى التقى بأبي وتحدثا همسا لساعات، وفي اليوم التالي حضر إلى منزلنا رجل عجوز صحبة جارنا، وظل يتفحص ملامحي بنظرات غريبة أفزعتني، وبعدها أعطى أبي بعض النقود وتعالت الزغاريد، ووقع أبي ورجلان آخران على ورقتين.

وتتابع: “جلست أمي وبعض النسوة يقلن لي كلمات لم أفهمها، ويعلمنني كيف أتعامل مع الرجل الذي أصبح زوجي دون أن أعرف معنى حقوق الزواج”.

واستمر الرجل معي ثلاثة أشهر، بعدها عدت إلى منزل أبي لأدخل بورصة الزواج، وعمري الآن 18 عاما وقد تزوجت 13 رجلا لم أعرف معنى كلمة الحياة الزوجية مع أي منهم، فأنا مجرد رقم في حياة الرجل الذي جاء من أجل المتعة فقط.


سعر وليس مهرا

ولم يختلف الوضع كثيرا مع سحر (25 عاما) التي بدأت رحلة الزواج باكرا ولم تعد تتذكر عدد الرجال في حياتها كما تقول، وتضيف كان والدي عاملا بسيطا يسافر إلى القاهرة مع آذان الفجر للعمل ولكن عمله غير قارّ لذا اضطر إلى تزويجنا من باب الستر فنحن أربع فتيات لأب فقير فماذا يفعل؟

وبلغة ساخرة تقول إن زواجنا لم يكن سترا وإنما تجارة، فقد اشترى والدي من ثمن بيعي وأخواتي البنات أرضا، وتحول من عامل “أُرزقي” إلى صاحب “أطيان”. وعن المهر المدفوع لها، ضحكت سحر وهي تقول “المهر يدفعه العريس لأهل عروسه لتجهيز منزل الزوجية وبداية حياة طبيعية أما ما يحدث معنا فهو مجرد بيع وشراء لا أكثر، ويختلف حسب عمر العروس ودرجة جمالها وكونها مطلقة أم عذراء.

قول سماح طه عمري 18 عاما وتزوجت 13 رجلا لم أعرف معنى كلمة الحياة الزوجية مع أي منهم، فأنا مجرد رقم في حياة الرجل الذي جاء من أجل المتعة فقط

وفي الغالب أول زواج يكون ثمن العروس حوالي خمسين ألف جنيه (7 آلاف دولار) بعد عمولة السمسار، وفي المرات التالية يقل السعر، متراوحا بين 20 و25 ألف جنيه (3 و3.5 ألف دولار).


رفض شعبي


وعلق بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي على زواج الفتيات القاصرات بعبارات جارحة وقاسية موجهين النقد لعجز القوانين وتواطؤ بعض المحامين بتحرير عقود الزواج التي تخالف الدين وكل الأعــراف.

ونددت تغريدات على موقع تويتر بهذه الزيجات، منها حساب باسم سمورة والذي قال فيه “كل أب يحترم نفسه لا يبيع لحمه للمسنين مقابل حفنة دنانير ودراهم”، وحساب باسم أمير الأحلام قال فيه: “زواج الأطفال هو اغتصاب بعلم الأهل، اتقوا الله في بناتكم”.

وتؤكد الدكتورة آمنة نصير، أستاذة الفلسفة والشريعة بجامعة الأزهر، أن “الحق سبحانه وتعالى علق مسؤولية الأبناء في رقبة آبائهم، وكذلك السنة النبوية المطهرة، مستشهدة بالحديث الشريف (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول)، و(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). واستنكرت قيام الآباء بالاتجار ببناتهم وهن طفلات لم ينعمن بطفولتهن ولا حقهن في الرعاية والتعليم.

التفاف على القانون

ويقول الشيخ حسن عبدالرحمن (مأذون شرعي) إن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008، منع زواج الفتيات أقل من 18 عاما باعتبارهن طفلات، ولكن بعض المحامين والمأذونين ضعاف النفوس التفوا على القانون بتزوير شهادات الميلاد لتتخطى الطفلة في الأوراق الرسمية 18عاما.

أرجعت دراسة المركز الديموغـرافي الـزواج السياحي الذي انتشر بصورة مفزعة وبأسماء مختلفة إلى جهل الآباء وكذلك الفقر والعوز

ويوضح أن التلاعب في الأوراق الرسمية أفرز أوضاعا غير قانونية لقاصرات تم تزوير أعمارهن بحجة أن آبائهن موافقون على تلك الزيجات، وأنه لا يوجد ما يخالف الشريعة الإسلامية، خاصة وأن هذه الزيجات في نظر أصحابها هي ستر للفتاة، وحماية من الظروف الاجتماعية السيئة.

وأرجعت دراسة المركز الديموغرافي الزواج السياحي الذي انتشر بصورة مفزعة وبأسماء مختلفة إلى جهل الآباء وكذلك الفقر والعوز، مشيرة إلى وجود أنواع أخرى للزواج، منها زواج “المقراض”، وهو الذى يزوج فيه الأب ابنته مقابل سداد ديونه، وزواج “المحجاج” وهو أن تطلب المرأة زوجا ليكون محرما لها في الحج أو العمرة، بالإضافة إلى وجود زواج “المسفار” وفيه تصاحب المرأة رجلا مسافرا، أو زواج “المصياف” الذى تقتصر مدته على شهور الصيف فقط.

وخلصت الدراسة إلى أن متوسط دخل الأسرة التي تلجأ إلى بيع بناتها بين 850 جنيها إلى 1000 جنيه شهريا (130 إلى 150 دولارا ) مقسما على عدد ثمانية أفراد، بمتوسط إنفاق أقل من دولارين في الشهر، وهو ما يعني دخول هذه الأسر في نطاق حد الفقر حسب توصيف الأمم المتحدة.

21