مسلسل "النحات".. أحداث شيقة تنتهي قبل الأوان

قصة مسلسل "النحات" تنتمي إلى نوعية أعمال الغموض والتشويق حيث تتضمّن توليفة مضمونة كفيلة بإثارة الاهتمام من حوله.
الخميس 2020/05/14
للحكاية بقية بعد انحسار الوباء

انتهت حلقات مسلسل “النحات” الذي يقوم ببطولته الفنان السوري باسل خياط بعد أن أثار من حوله العديد من علامات الاستفهام، سواء قبل عرضه أو حتى أثناء بثّ حلقاته خلال النصف الأول من الموسم الرمضاني.

قبل أيام قليلة من بدء شهر رمضان لم تكن شركة “إي سي ميديا” المنتجة لمسلسل “النحات” قد حسمت موقفها بعد من عرض العمل. والمسلسل الذي كان قد حجز مكانه على خارطة الدراما الرمضانية لعدد من القنوات لم يحالفه الحظ بعد أن تعذّر استكمال تصويره تحت وطأة الحظر الذي سبّبه وباء كورونا.

غير أن الشركة المنتجة للعمل خرجت بحل وسط حين قرّرت عرض الحلقات التي استُكمل تصويرها وإرجاء عرض بقية الحلقات التي لم تُستكمل بعد، وهكذا فوجئ الجمهور بعرض المسلسل بعد أن كان خروجه من الموسم في حكم المؤكد، لينتهي عند الحلقة الخامسة عشرة، أما موعد عرض بقية الحلقات فهو في علم الغيب حتى الآن.

بين حلين

يبدو أن الشركة كان عليها أن تختار هنا بين أمرين كلاهما مرّ، أن تعرض المسلسل مجتزأ أو أن تتخلى عن فكرة عرضه خلال شهر رمضان حتى يُعرض كاملا في وقت آخر، فاختارت الحل الأول.

وتدور أحداث “النحات” في لبنان وهو من بطولة النجم السوري باسل خياط والنجمة الجزائرية أمل بوشوشة، ويشارك فيه من لبنان الفنانون إيلي متري وجوزيف بونصار وليا أبوشعيا ودارينا الجندي وفادي إبراهيم ويارا قاسم، ومجموعة أخرى متنوعة من النجوم والنجمات، أما الإخراج فهو للتونسي مجدي السميري والتأليف للكاتبة السورية بثينة عوض.

السؤال هنا، هل أثّر هذا الحل الذي لجأت إليه الشركة المُنتجة على سياق العمل وجاذبيته؟ وهل كان من الأفضل تأجيل المسلسل بدلا من عرضه مبتورا على هذا النحو؟

لا شك أن العمل لم يفقد جاذبيته لدى الجمهور اللبناني والعربي، فهو على كل حال يتضمّن توليفة مضمونة كفيلة بإثارة الاهتمام من حوله، فبطل العمل باسل خياط هو وجه يتمتّع بالقبول الجماهيري، وواحد من نجوم الصف الأول في الدراما العربية، وكذلك النجمة الجزائرية المقيمة في لبنان أمل بوشوشة التي قدّمت خلال السنوات القليلة الماضية مجموعة من الأعمال اللبنانية المتميزة، وهي فنانة لها حضورها اللافت أيضا على الشاشة. أما المخرج التونسي مجدي السميري فله العديد من التجارب اللافتة، خاصة في مجال الإثارة والتشويق.

باسل خياط نجح في تجسيد ثلاث شخصيات مركبة وظهور متأخر للغامضة أمل بوشوشة
باسل خياط نجح في تجسيد ثلاث شخصيات مركبة وظهور متأخر للغامضة أمل بوشوشة

والعمل تم الإعداد له جيدا، ويمتلك قدرا معقولا من التوفيق في اختيار عناصره، من كادرات تصوير وموسيقى وديكور، ولا غبار أيضا على الحوار والقصة على نحو عام، والتي اتسمت بالتشويق والإثارة.

غير أن هذا الاجتزاء الذي لم يكن مخطّطا له بالطبع كان له تأثيره الواضح على سياق العمل، فالحلقات التي كُتبت ليمتدّ عرضها إلى ثلاثين حلقة بدت أشبه بمُقدّمة لتصاعد الأحداث، والتي ما إن بدأ تصاعدها بالفعل حتى انتهت، لهذا اتُهم العمل بالتباطؤ.

وهذا التباطؤ كان يمكن أن يكون منطقيا مع عدد الحلقات الثلاثين، أضف إلى ذلك اختفاء نجمة المسلسل أمل بوشوشة وعدم ظهورها حتى الحلقة العاشرة، حين بدأت الأحداث تتّخذ منحى أكثر إثارة.

واختفاء بوشوشة أثار حوله العديد من علامات الاستفهام، فكيف لبطلة العمل التي شاركت النجم باسل خياط في الدعاية الترويجية التي بثّت قبيل العرض ألّا تظهر إلّا في الثلث الأخير من المسلسل؟

وينتمي “النحات” إلى نوعية أعمال الغموض والتشويق، فهو يستند إلى قصة مثيرة بالفعل عن فنان شاب يمارس فن النحت (يمان) ويؤدي دوره الفنان باسل خياط.

ينتقل يمان للعمل في بيروت كمدرّس لمادة النحت في إحدى الكليات، ما يضطره إلى الإقامة في بيت عائلته القديم والمهجور منذ سنوات، والذي هجره هو ووالدته بعد مقتل والده في ظروف غامضة.

ذكريات وتداعيات

يحمل البيت العديد من الذكريات للفنان الشاب، وهي ذكريات تنبش مع الوقت في الكثير من التفاصيل المُتعلقة بمقتل والده، وهي تفاصيل تحيطها بعض الألغاز. تبدأ هذه الألغاز في التكشّف حين يعثر يمان بمحض الصدفة على صورة فوتوغرافية قديمة معروضة للبيع ضمن ألبوم من الصور القديمة في أحد متاجر الـ”أنتيك”، ويثير انتباهه التاريخ المكتوب على الصورة والذي يعود إلى خمس سنوات بعد مقتل والده.

يحاول يمان حل هذا اللغز مستعينا بصديقه عمر، الضابط في الأمن اللبناني، لتتكشف خيوط اللغز شيئا فشيئا، خاصة حين يتعرّف يمان على أحد الأشخاص الذين كانوا مع والده في الصورة، ويقوده البحث إلى شخصيات أخرى مختلفة بعد أن يُلقى في طريقه بصور أخرى من مصدر مجهول.

يكتشف الشاب أخيرا أن لوالده توأما كان يعمل في التهريب، وهنا تتقاطع ثلاث حيوات عبر الـ”فلاش باك” يجسّدها جميعا النجم باسل خياط، الذي يؤدّي شخصية يمان إلى جانب شخصية والده (عصمت) ثم توأمه المتطابق (رند).

وتتكشّف أمامه مع الوقت تفاصيل مدهشة عن حياة عمه الصاخبة والمثيرة، والذي كان يعمل في التهريب إلى جانب عمله كمغن في الحانات.

العمل تم الإعداد له جيدا، ويمتلك قدرا من التوفيق في اختيار عناصره من كادرات تصوير وموسيقى وديكور

وربما أثارت تركيبة الشخصيات الغريبة الأطوار التي تتّسم بها الشخصيات الثلاث الفنان باسل خياط للتصدّي لهذا العمل تحديدا، والذي يتّسق مع جملة الأعمال التي قدّمها خلال السنوات الأخيرة واتسمت شخصياته فيها بالتعقيد والاضطراب.

وإلى جانب الخط المرسوم لأدوار باسل خياط الثلاثة، ثمة خطوط درامية أخرى تتكشّف مع امتداد الحلقات، كشخصية جميل وفا الذي يقضي حكما بالسجن، وكانت تربطه علاقة بوالده وعمه رند. وهناك شخصية الضابط عمر وإصراره على كشف هذا اللغز، بالإضافة إلى زوجته التي تعمل في كتابة الروايات، والتي تجد في تلك الحكاية ما يثير قريحتها، فتقرّر كتابة تفاصيلها التي تتعرّف عليها من زوجها. ثم شخصية سلمى، التي تكشف لنا الأحداث عن علاقتها برند، هذه الشخصية ذات التركيبة المهووسة والتي بالغ باسل خياط قليلا في رسم ملامحها فبدت كشخصية مضطربة أو مريضة.

وبظهور أمل بشوشة في الحلقة العاشرة بدأت الأحداث في التصاعد، وصارت وقائعها أكثر تسارعا، كما أن الشخصية التي تمثلها بوشوشة (نوال الملاحي) زادت الأمر غموضا. وهو ما أكسب العمل المزيد من الإثارة، وكان حافزا أمام متابعي المسلسل على استكمال بقية الأحداث، والتغاضي عن وتيرته البطيئة التي لازمته طوال حلقاته الأولى.

وخلال الحلقات الأخيرة بدأت تظهر العديد من خيوط الإثارة والغموض تباعا، كإشارة لاستمرار أحداث المسلسل، وحافزا لمتابعيه على انتظار الجزء الآخر منه، والذي يبقى استكماله مرهونا بانحسار الوباء العالمي.

16