مسلسل تونسي رهين مطرقة القاضي

لأول مرة في تاريخ الدراما يجد المشاهد التونسي نفسه مُضطرا لمُتابعة أحداث مسلسل في أروقة المحاكم عوض التلفزيون.
السبت 2020/04/25
"قلب الذيب" رُفع عنه ستار العرض أخيرا

تعوّد المُشاهد العربي الشغوف بالدراما العربية، خاصة في موسمها الأكثر متابعة، شهر رمضان، أن يتّضح له الخيط الأبيض من الأسود من البرمجة الرمضانية الموسمية المُرتقبة مع رصد هلال شهر رمضان وإعلان مفتي الديار بأي بلد عربي إسلامي حلول الشهر المعظم، فيختار مُسلسله المفضّل ويُحدّد قناته الباثة وموعد عرضه، ويُتابع..

وهكذا دواليك والفضائيات العربية حواليك، وما عليك بضغطة زر بسيطة على “الريموت كنترول” إلّا أن تنتقي وتُشاهد، ولا بأس إن فاتك موعد أحد الأعمال المعروضة في زحمة الخيارات، فلك في اليوتيوب بديلا.

كل هذا جيّد وجميل، ولو أن فيه بعضا من عناء البحث والتقصّي وأحيانا المُشاورات بين أفراد العائلة الواحدة حول أفضل الأعمال التي يودّونها، ثم يّتفقون على مُتابعتها، ليتم الاختيار فالقرار ثم المشاهدة إما الفردية أو الجماعية. هذا إن كان رب العائلة ديمقراطيا، طبعا!

كل ما سبق ذكره من اختيار وقرار فمُشاهدة طيبة للجميع، عليكم نسيانه وأنتم تُتابعون الفضائيات التونسية سواء منها العمومية أو الخاصة، فلست أنت من تقرّر ماذا تُشاهد، ومتى تُشاهد، وعلى أي قناة تُريد.

أجل عزيزي المُشاهد التونسي، المغلوب على أمره، دائما وأبدا وحتما، لست أنت من تُقرّر ولن تُقرّر بعد اليوم؛ ماذا ومتى وأين تُشاهد ما تُريد.

فأنت تريد وأنا أريد وهم يفعلون ما يُريدون، طالما الصراع لا ينتهي بين المنتجين والمُعلنين حول كعكة المُشاهدات وما تدرّه من إعلانات، أما أنت عزيزي المُشاهد، عزيزتي المُشاهدة، فمكانك، الطبيعيّ بينهما، لكن بلا حول ولا قوة عدا أنك ستكون شاهدا على هذا الصراع، ليس أكثر.

ذاك ما حصل، تماما، للمُشاهد التونسي والمُشاهدة التونسية في الموسم الرمضاني الحالي من حرمان فاجر ووحشي مع سبق الإصرار والترصّد من حقّه وحقّها في تقرير المصير.

مصير اختيار ما يودّ المواطن التونسي أن يُشاهده حرا مُخيّرا وغير مُسيّر، الأمر الذي يكفله له دستور الجمهورية الثانية لدولة القانون، أو هكذا خيّل إليه، دستور يقول عنه واضعوه في السر والعلن، إنه أبهر العالم بديمقراطيته ومواطنته.

المسلسل من بطولة ثلة من نجوم الدراما التونسية المخضرمين
المسلسل من بطولة ثلة من نجوم الدراما التونسية المخضرمين

لكن، كلّ هذه المواطنة المُشتهاة تنتهي صلاحيتها مع أول عرض إعلاني يسبق بداية المسلسل وأثناءه وبعده، لتحلّ محلها دكتاتورية المال قوّام الأعمال ما ظهر منها وما بطن. فهل أتاكم حديث “قلب الذيب”؟ وما فعله بالمُشاهد التونسي الذي وجد نفسه مُضطرا لمُتابعة أحداث مسلسله المُرتقب في أروقة المحاكم عوض التلفزيون. أجل، فمصير المسلسل الفانتازي التاريخي التونسي “قلب الذيب” موكول للقضاء، نعم للقضاء!

وأصل الحكاية أن مُنتجة مسلسل “قلب الذيب” العارضة والممثلة التونسية خولة السليماني، والتي تعمل مقدّمة برامج في قناة “الحوار التونسي” الخاصة، باعت المسلسل، أصل الخلاف، إلى قناة “الوطنية الأولى” المملوكة للدولة التونسية، الأمر الذي أثار الكثير من الجدل القانوني والأخلاقي.

فتوالت الاتهامات فالاتهامات المُضادة بين طرفي النزاع، المنتجة خولة السليماني ومالك قناة “الحوار التونسي” المسجون، سامي الفهري. إذ اتهمت محامية “الحوار التونسي” سنية الدهماني المُنتجة بالتحايل، وخيانة مؤتمن بعد أن راوغت القناة وأبرمت عقدا مع التلفزيون العمومي التونسي. كما اتهمت الدهماني “الوطنية الأولى” بالتآمر على قناة “الحوار التونسي”، لإعلان إفلاسها بعد أن تم الزجّ بمديرها وباعثها سامي الفهري في السجن، على خلفية ما يُعرف بقضية “كاكتوس”.

وفي المُقابل نفت السليماني التلاعب والخيانة، مُقرّة أنها اضطرت لبيع المسلسل لـ”الوطنية الأولى” لتدفع الديون العالقة بعد أن أخبرتها إدارة قناة “الحوار التونسي” أنها غير مُستعدة لبث المسلسل خلال رمضان الحالي، الأمر الذي اضطرها لبيعه لأول قناة عرضت عليها اقتناءه.

ومن هناك أصدر القضاء الاستعجالي في محكمة تونس، الأربعاء، حكما بمنع “الوطنية الأولى” من بث المسلسل الذي كانت تعتزم بثه بداية من اليوم الأول من رمضان، أي الجمعة، بعد أن اشترت حقوق بثه من المنتجة خولة السليماني، وذلك بعد أن رفعت قناة الحوار التونسي قضية لإبطال عرضه. لكن محامي المُنتجة خولة السليماني، منير بن صالحة، استأنف الحكم، صبيحة أمس الجمعة، لتُقرّر محكمة الاستئناف بتونس، نقض الحكم الاستعجالي الأول بإيقاف بثّ المسلسل على “الوطنية الأولى”.

وتدور أحداث مسلسل “قلب الذيب” في فترة الأربعينات خلال الحرب العالمية الثانية وقبل استقلال تونس، ويعكس المقاومة التونسية للاستعمار الفرنسي سواء الشعبية من خلال جماعة “الفلّاقة” أو النقابية، وكل ما يتعلق بتلك الفترة من أحداث اجتماعية واقتصادية وسياسية.

والعمل من بطولة ثلة من نجوم الدراما التونسية المخضرمين على غرار فتحي الهداوي ورؤوف بن عمر وعبداللطيف بوعلاق ولطيفة القفصي ودليلة المفتاحي وعيسى حراث وعبدالغني بن طارة، وأخرى شابة كعزيز جبالي وأمين الإمام وجهاد الشارني وسامي الدريدي وخولة السليماني وبسام الحمراوي وأميمة بن حفصية ومالك بن سعد وكلثوم حندوس، وهو أول تجربة إخراجية في الدراما التلفزيونية للممثل والمخرج المسرحي الشاب بسام الحمراي.

ومع إقرار محكمة الاستئناف بتونس، بأحقية بثّ “الوطنية الأولى” للمسلسل على قناتها، وهو ما حصل، أمس، إثر أذان المغرب مُباشرة. تأكّد وبشكل نهائي أن مصير “قلب الذيب”، رهين مطرقة القاضي.

فما ذنب المُشاهد التونسي في كل هذا؟ وأي جرم اقترفه ممثلو المسلسل الذين كادوا يُعاقبون بحرمانهم من إبراز إبداعهم للمُواطن الرقيب، الحَكَم الأول والأخير للبتّ في قبول أو رفض المُنتج المُقدّم له، أو المفروض أنه موجّه له أساسا وتحديدا، بعيدا عن لعبة الإشهار والاستثمار وحكم القاضي.

ورفعت الجلسة، ورفع الستار أيضا، لبدء عرض مسلسل، يبدو أنه ستكون له حلقات أخرى طويلة ومديدة بشارع باب بنات مقرّ قصر العدالة ووزارة العدل بالعاصمة تونس!

13