مسلسل "عالم الغرب" الآليون في مواجهة عسف البشر

السبت 2016/11/12
دراما تلفزيونية تعمل على خلخلة المشاعر الإنسانية

إسطنبول - جرّب الإنسان كثيراً أن يصنع آلات يمكنها القيام بمهام لا يستطيع هو القيام بها دائماً، لقد ابتكر الآلات الصناعية الأولى، ومع تطور العلوم والتقنيات، صار بعضها يعمل وفق منظومات الذكاء الاصطناعي التي باتت تحكم الكثير من تفاصيل حياتنا الراهنة، لكن بعض طموحات البشر كانت تخرج عن هذا السياق لتذهب نحو تصميم آلات تشبه البشر في شكلها وعملها، لتحلّ مكانهم في تنفيذ بعض الوظائف القاسية أو الخطرة. ويُظهر تاريخ مفهوم الروبوت وجود تاريخ طويل لعملية المحاكاة التي جربها المخترعون والعلماء حينما حاولوا إنشاء هذه الآلات التي تعمل مثل البشر والتي اصطلح على تسميتها بـ”الإنسالة” وهو تعبير يجمع بين كلمة “الإنسان” وكلمة “آلة”.

عملية المماهاة بين المنظومة الإنسانية بالغة التعقيد ومجهولة التكوين، وبين المنظومة التقنية التي تبنى على هيئة البشر، لم تبدأ كهاجس تقني فقط، بل إنها بدأت أيضا كهاجس أدبي وفني؛ إذ فكر بها الأدباء ضمن تصوراتهم الخيالية عن المستقبل، ودونوها في العشرات من الأعمال الإبداعية، وقد جرت عملية تلاقح بين المسارين العلمي التقني والأدبي، فاشتق الأول من الثاني العديد من التفاصيل، ليس أقلها تعبير الروبوت الذي استخدمه في البداية الأديب التشيكي كارل تشابيك في أوائل القرن العشرين، في روايته الشهيرة “رجال روسوم الآلية العالمية” التي تحدثت عن “إنسالات” يمكن إنتاجها في المصنع بسرعة وبتكلفة قليلة. وقد اشتقت كلمة “روبوت” الإنكليزية من الكلمة التشيكية “روبوتا” وتعني أعمال السخرة أو العبودية.

قوانين الروبوتية الثلاثة

تطوّرُ العمل على إنتاج “الإنسالات” في القرن العشرين، ودمجُ النتائج مع الذكاء الاصطناعي عبر البرمجة الإلكترونية في النظم الحاسوبية، قرّب إلى الخيال أدواته التعبيرية، حيث بات من الممكن خلق مجتمعات كاملة منها تتشابك مع تفاصيل البشر، تأخذ من عوالمهم وتعطيها، وتحاكيها أيضاً، وكما يخضع البشر للقانون الذي يضعونه ويتفقون عليه، بات من الممكن وضع أوليات قانونية لعالم “الإنسالات”.

وهكذا سيخرج كاتب الخيال العلمي الشهير إسحق عظيموف بالقوانين “الروبوتية” الثلاثة التي هدفت إلى تنظيم علاقة “الإنسالات” بالبشر، فتقول في أولها إنه “لا يجوز لآلي إيذاء بشريّ أو السكوت عمّا قد يسبّب أذًى له” وتفرض في ثانيها “على الآلي إطاعة أوامر البشر إلا إن تعارضت مع القانون الأول” وتوجب على الآلي في ثالثها المحافظة على بقائه طالما لا يتعارض ذلك مع القانونين الأول والثاني”.

التفكير بوضع قانون خاص بالآليين يعني في جوهره بسط عملية التحكم البشري عليهم، من خلال السيطرة على عملهم وعلى تفكيرهم الذي يمكن برمجته، ليصبح مقارباً لتفكير الإنسان ذاته، ولكن ماذا لو أن البرمجيات التي تتحكم بعقلهم الصناعي اعتراها خلل ما، تعدّى في مساره إمكانية إصلاحه، وتحوّل إلى سلسلة من الأفعال التي تمكنهم من إيذاء البشر الذين صنعوهم وخططوا لهم مسارات حركتهم ووجودهم؟

اضطهاد القامعين للمقموعين أو الأغنياء للفقراء، كثيمة سردية، تتكرر في (عالم الغرب). ولكن على أرضية قوانين عظيموف، يجد المشاهد نفسه أسيرا لاضطراب كبير في المشاعر تجاه ما يراه أمامه، فهو لا يستطيع أن يتضامن مع الإنسالات لأنه ينتمي إلى جنس البشر

هذا السؤال الرائد كان في لحظة ما هاجساً أصاب عقل الكاتب والمخرج الأميركي مايكل كرايتون، في بداية سبعينات القرن الماضي، ما جعله يتوجه إلى صناعة فيلم سينمائي حمل اسم “عالم الغرب”، وقد كان مصب فكرة كرايتون يتمثل بافتراض وجود لحظة مواجهة بين “الإنسالة” وبين الإنسان، فقامت حكاية فيلمه على وجود شركة كبرى تتحكم بثلاثة عوالم قامت بصناعتها هي عالم الغرب الأميركي، وعالم القرون الوسطى، وعالم روماني قديم، تعيش فيها “إنسالات” كاملة المواصفات الخارجية والداخلية، تعيش حكايات مرسومة سلفاً.

يقوم عمل الشركة على استضافة بشر حقيقيين يرغبون بالخوض في تجارب ضمن هذه العوالم مقابل دفع مبالغ مالية باهظة، تضمن لهم الاستغراق في الحكايات، والاستمتاع بتجارب مع “الإنسالات” تبدأ بالمتع المادية كالجنس وغيره، وتصل حتى عتبة قتل الضيوف للسكان الأصليين، حيث يتكفل الفريق التقني الخاص بكل عالم من هذه العوالم بإعادة “الإنسالات” التي تُقتل إلى العمل بعد إصلاحها.

هل يتمرد الآليون

فيلم “عالم الغرب” الذي أنتج وعرض في العام 1973، حاول فيه مخرجه خلق واجهة بصرية مقنعة في زمن كانت فيه عمليات المحاكاة البصرية “الغرافيك” بسيطة ومكلفة، ولكنه استطاع أن يقدّم لوحة مقبولة، ضمنت للمشاهد أن يرى كيف يمكن للإنسالات التي أصابها خلل ما أن تخرج عن السيطرة، لتقوم بقتل البشر، رغم كل الاحتياطات التي بذلتها الشركة من أجل حمايتهم في رحلات متعتهم، التي لا تخلو طبيعتها من تفاصيل تقارب سياق معاناة البشر من البشر ذاتهم.

فاضطهاد القامعين للمقموعين أو الأغنياء للفقراء، كثيمة سردية، تتكرر هنا ولكن على أرضية قوانين عظيموف سالفة الذكر، وهكذا يجد المشاهد نفسه أسيراً لاضطراب كبير في المشاهد تجاه ما يراه أمامه، فهو لا يستطيع أن يتضامن مع الإنسالات لأنه ينتمي إلى جنس البشر، ولكنه في الآن ذاته، سيجد نفسه في مواجهة مع النمط السلوكي الذي يتّبعه البشر في تعاطيهم مع هذه الآلات التي تشبههم.

صحيح أن فيلم مايكل كرايتون كان مبنياً على انتصار البشر في النهاية على الإنسالات، وكان في أصله محاولة أولى رائدة من قبل صانعه للغوص في المحتمل المستقبلي، بأدوات أولية، لكن ثقل الثيمة وثراءها ظلا راسخين في الذاكرة.

إسحق عظيموف يخرج على العالم بالقوانين "الروبوتية" الثلاثة التي تقول في أولها إنه "لا يجوز لآلي إيذاء بشري" وتفرض في ثانيها "على الآلي إطاعة أوامر البشر" وثالثها يوجب المحافظة على بقائه طالما لا يتعارض ذلك مع القانونين الأول والثاني.

عالم الغرب وعالم الدراما

منذ ذلك الوقت، وفي طريق التطور في عالم السينما ولا سيما رقيّ أدوات المحاكاة الغرافيكية، صنع مبدعون كثيرون أعمالاً كثيرة قاربت الأمر ذاته، ولكنها كانت تلعب على توسيع الجانب التشويقي في الثيمة الأولى لتختص بصراع عنفي بين الآلات الخارجة عن السيطرة وبين البشر، صانعة من الأمر حكايات تجارية استهلاكية، وفي المقابل حاول مبدعون آخرون الاشتغال على جزء آخر من الثيمة يختص بجعل منظومة الذكاء الاصطناعي ترتقي لتحوز مشاعر إنسانية خالصة، يرتفع فيها مستوى الانفعالات، ليصبح على تماس مع العواطف الإنسانية.

وهكذا وجدنا ستيفن سبيلبرغ يقدم في العام 2001 فيلمه المثير “الذكاء الاصطناعي” الذي تدور أحداثه حول روبوت شبيه بطفل بشري، يحمل اسم ديفيد، يمتلك القدرة على الحب والشعور بالعواطف المماثلة بين الطفل وأمّه، ويعيش تجربة هائلة، حين تقوم أسرة بشرية بتربيته، كابنٍ ثانٍ، ولكنه في النهاية يفقد جنته، حينما يجد نفسه خارج المنزل، ليعيش مأساته الخاصة، والتي لا تنتهي حينما يضرب الكوكب عصر جليدي مدمر. ولكن كائنات فضائية عالية الذكاء تقوم باستخراجه من الثلج، لتعيد عمله من جديد، وحين تسأله عن رغباته، يطلب منها إحياء “أمّه” أي المرأة التي قامت بتربيته.

هنا صنع سبيلبرغ انعطافة كبيرة في سياق الحكايات التي تعالج الثيمة ذاتها، فقد باتت الإنسالات تعيش بعواطف وأفكار تشبه ما يمتلكه البشر، وبالتأكيد فقد جرت المراكمة كثيراً جداً على الثيمة من قبل الآخرين بعد أن بات الذكاء الاصطناعي حاضراً في العشرات من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والروايات وغيرها، مع إيحاءات تقرّب بينه وبين الإنساني، ما أدى في النهاية إلى تقبل الثيمة وتحولها إلى حقل واسع للتجريب.

أحدث الإضافات في السياق جاءت من العودة إلى البدايات ومن فيلم “عالم الغرب” ذاته، الذي توجه إليه كلٌ من الكاتب البريطاني جوناثان نولان وزوجته ليزا جوي، ليعيدا قراءة تفاصيله، من زاوية تُجدّدُ رؤاه الأصلية، وتمنح مساراته ما فاتها بسبب ضعف الإمكانيات والتقنيات في وقتها، ولكن مع استطراد أوسع وأشمل في تضاعيف البنية النفسية التي حاول كرايتون العمل عليها، وبحسب السياق الذي يقترحه نولان فإن الاستطراد هذا بات هو صلب العمل كله، والذي جرى تحويله إلى مسلسل درامي قامت شبكة “إتش بي أو” بإنتاجه وطرح موسمه الأول قبل شهر ونصف من الآن. وقد قوبل منذ وصوله إلى المشاهدين بإطراء النقاد عليه، وباهتمام شرائح واسعة من المتابعين الذين تستهويهم الدراما ذات البعد النفسي، والتي لا تغيب عنها سلاسل الحكايات المشوقة، في عالم يكتنز عوالم مدهشة، تصدم العين بما هو غير متوقع.

في مسلسل “عالم الغرب”، جرى اقتصار فضاءات الفيلم على الغرب الأميركي “المنتزه” فقط، ليكون هو مساحة الحكايات المتقاطعة، والتي يدخل إليها البشر “الوافدون الجدد” ليعيشوا نزواتهم، في عوالم سوداوية يسودها القهر الذي تعيشه الإنسالات التي تسكن عالم الغرب ويسمّيها صناع المسلسل بالمضيفين، وهي تخضع مرة فمرة لذات المصير القاتم حين تُقتل على أيدي الضيوف.

الكاتب البريطاني جوناثان نولان وزوجته ليزا جوي يعيدان قراءة تفاصيل "عالم الغرب"، من زاوية تجدد رؤاه الأصلية.

وفي مقابل هذا الاقتصاد عمل نولان على توسيع كواليس الشركة، خالقاً منها عالماً مليئاً بالمؤامرات والصراعات يقف بالتناظر مع فضاء المضيفين، موشجاً بينهما عبر جعل صراعات الشركة تنفذ إلى موضوع عملها، ليعيشها المضيفون الذين سيرتهنون للعجوز فورد الذي لعب دوره أنتوني هوبكنز. وسنكتشف شيئاً فشيئاً أن بعضهم مستلب لشريكه أرنولد الذي مات في ظروف غامضة قبل أربعين سنة، وما زال يقوم بالتحكم بالنماذج الأولى التي قام بصناعتها من المضيفين بطريقة مبهمة ومثيرة، وسط تجاذب يخلط بين الخلل التقني الذي

يصيبهم، وتصبح متابعته هاجساً ملحّاً يضغط على فريق العمل، وبين عواطفهم التي ستخرج عن السيطرة طالما أن عوالق أساسية في ذاكرتهم تبقى حاضرة، حتى بعد قيام المبرمجين بمسح أفكارهم وبرمجتهم من جديد، بعد مقتلهم على أيدي “الوافدين الجدد”، الذين تتنازعهم بدورهم صراعات قاسية أتوا بها من خارج الحديقة، لتنعكس على علاقاتهم مع المضيفين، كما على علاقاتهم فيما بينهم.

منافس صراع العروش

الحلقات الست التي جرى عرضها خلال الفترة السابقة، خلقت لدى المتابعين نوعاً من الإثارة جعلت البعض يراهن على إمكانية أن يحلّ هذا المسلسل مكان نتاج شبكة “إتش بي أو” الأشهر أي مسلسل “صراع العروش” الذي ينتظر الجمهور موسمه السابع الذي سيتم تقديمه في ربيع العام المقبل، بعد أن أعلن عن أن الجزء الثامن سيكون آخر مواسمه.

وقد نقلت وكالات الأخبار عن الشبكة المنتجة أن الموسم الأول من المسلسل المكوّن من 10 حلقات، تجاوزت تكلفته المئة مليون دولار أميركي، كما أن الحلقة الافتتاحية قدرت ميزانيتها بـ25 مليون دولار، وهذا يتخطى ميزانية الحلقة الافتتاحية من مسلسل “صراع العروش” التي جاءت ميزانيتها حوالي 20 مليون دولار.

وكان من اللافت أيضاً سرعة تشكل النوادي الخاصة بتحليل حلقات مسلسل “عالم الغرب”، حيث يقوم أعضاء هذه التجمعات بتقديم قراءات تفسيرية لأحداثه، ورصد السياقات التي ستمضي فيها حكاياته وشخصياته، كما يقومون برصد تقاطعاته مع المرجعيات الثقافية والفكرية، التي ينطلق منها منتجوه ليجعلوه راهناً، وينتمي إلى سياق الأفكار الراهنة في الزمن الحاضر، وهكذا بات من الطبيعي أن يبرع البعض في رصد جملة قالتها إحدى الشخصيات، مُستلّة من إحدى مسرحيات شكسبير، أو فكرة فلسفية مرت في رواية عالمية وغير ذلك.

14