مسلسل مصري يجدد علاقة المشاهد بالدراما بعيدا عن رمضان

نجح المسلسل المصري "بين عالمين" منذ بدء عرضه في جذب قطاع كبير من الجمهور، والذي يقدم نوعا جديدا من المدرسة الواقعية في الفن، ويعرض نمطا جديدا للصراع الشرس بين المال والسلطة، وتعامل المسلسل مع القضايا المثيرة باستفاضة في تحليل مشاكل ومعاناة أبناء الطبقة المتوسطة والطبقات الأكثر فقرا.
الخميس 2017/11/16
عالمان متنافران لكنهما يلتقيان

القاهرة - رغم أن فكرة الصراع بين الخير والشر ليست جديدة على الدراما الفنية، غير أن تناول صُنّاع المسلسل المصري "بين عالمين" للأزمة بواقعية ساهم في الكشف عن صراع من نوع مختلف بين الطموح والمبادئ التي يتربى عليها الفرد، وكانت بمثابة الورقة الرابحة من حيث الفكرة والمضمون وتطورات الأحداث، ليجد المشاهد نفسه أمام عالم جديد ينال اهتمامه مع كل حلقة جديدة تعرض من المسلسل على شبكة “سي بي سي” المصرية.

وتدور أحداث العمل الدرامي الذي يقوم ببطولته طارق لطفي وهشام سليم ولقاء الخميسي في إطار اجتماعي تشويقي، ويركز على الأدوات الشريرة التي يستخدمها البعض لتحقيق أهدافهم.

ألقى مسلسل “بين عالمين” الضوء على قضية الباحثين على الثراء السريع والسلطة المطلقة من خلال القيام بأعمال غير مشروعة وتنفيذ رغبات الكبار، وهو ما قام المسلسل بالتركيز عليه من خلال علاقة مروان ويقوم بدوره الفنان طارق لطفي الذي بدأ موظفا في شركة للاستثمار العقاري يديرها نادر أو الفنان هشام سليم.

واستطاع المسلسل أن يوجد موسما جديدا للمشاهدة الدرامية بعيدا عن الزخم الذي يحظى به الموسم الرمضاني المعتاد، بعد انتشار عديد من مقاطع المسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة المشهد الذي اختار فيه نادر لمروان أن يكون خليفته لتولي إدارة الشركة والإرشادات التي احتواها المشهد، وكلها مثيرة.

رواد مواقع التواصل الاجتماعي أعجبوا بنصائح نادر لمروان، والتي تلخص حالهم وتقدم صورة رمزية لصراعات البشر اللا أخلاقية

ولم يلتفت المتابعون للمسلسل من فئة الشباب، الذي روّج لهذا المقطع لفكرة الاختيار الذي ألقى المسلسل الضوء عليها، فاختيار مروان للمنصب والمال، جعل منه خائنا للمبادئ التي تربى عليها في أسرة متوسطة الحال تتكوّن من والدة ووالدته وشقيقة، وجلس على كرسي الإدارة على حساب صديقه هشام، بعد أن كال له المكائد للإطاحة به من الشركة تلبية لرغبات نادر.

وتمكن هشام سليم أو نادر من لعب الشخصية التي بدأت من الصفر ووصلت إلى قمة السلطة في عالم المال، بتولي منصب وزير الإسكان من خلال خبرات التلاعب برغبات وأحلام صغار الموظفين.

ويتشارك رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع نصائح المسلسل التي يقدمها نادر لمروان على مدار الحلقات، بعد أن أعجبوا بها والتي تلخّص حالهم وتقدّم صورة رمزية لصراعات البشر للوصول للمناصب والفوز بالسلطة.

من أشهر الجمل التي نالت الإعجاب في الشارع المصري كانت عبارات جاءت على لسان نادر وقال فيها “وتريح اللي فوق وأوعي يفهموا إنك أذكى منهم” و”اللي تحت مش لازم تخليهم يتفقوا لأنهم هيتفقوا عليك ولازم تشغلهم على طول” و”متخليش حد يفهمك، ولا تثق في أحد”.

واعتمد المسلسل في أولى حلقاته بشكل مثير على تصوير مشاهد وسط صحراء متّسعة، حيث تظهر سيارتان يلتقي بطل المسلسل مروان أبوزيد بشخصية غامضة يضع قناعا على وجهه، ليعطيه تعليمات من أجل الحصول على موافقة صديقة نادر الجبالي وزير الإسكان للحصول على قطعة أرض 1200 فدان.

حافل الإسقاطات السياسية

ومع محاولات مروان إقناع الرجل الغامض بالعدول عن هذه القطعة باعتبار أن نادر هو السلطة ولا يجب التصادم معه، فإن الرجل يخبره بأنه المال الذي جاء بصديقه إلى السلطة ويجب أن يذكّره بذلك، وفي الوقت نفسه لا يجب أن يحاول الحصول على هذه الأرض، لكن يجب إقناعه.

ويجد مروان نفسه أمام مهمة صعبة، فيقول له الرجل المقنع “أنا عمري ما قولت لك الشغل معايا سهل، لكن أنت اللي اخترت”، ويتركه وحيدا في الصحراء.

وتأكيدا على فكرة الاختيار التي يتناولها المسلسل يخاطب مروان أبوزيد نفسه قائلا “أصعب حاجه الاختيار، خصوصا لما تبقى مجبر عليهن ومش متأكد من نتيجته اللي ما حدش هيتحملها غيرك”.

ومع اتساع حركة الكاميرا أراد المخرج أحمد مدحت أن يبعث برسالة للمشاهد بأن نهاية كل اختيار صعب، هو أن يجد الشخص نفسه وحيدا في صحراء مترامية الأطراف.

لعب المال دور رئيسيا في مسلسل “بين عالمين” ليكشف تحولات الشخصية البشرية من الطيبة إلى الشر، ولم يكن مروان الموظف البسيط يفعل ما يفعله الآن بعد أن أصبح رئيسا للشركة، فصوت الرصاص القادم من خارج المسجد، للرجال الذين استأجرهم بالسلاح لإخراج الناس بالقوة حتى تحقق المراد، كان صدمة إنسانية بعد أن راح ضحيته طفل بريء دهسته عجلات سيارة ضخمة استخدمت في هدم المنازل.

وتتميز أعمال أحمد مدحت دائما بالتركيز على قضايا المجتمع والتشويق وإلقاء الضوء على المشكلات الاجتماعية، وهي نوعية درامية تستهوي المشاهدين ما جعل له مزايا إخراجية مختلفة، ويستطيع النقاد تحديد أي من الأعمال التي أخرجها مدحت دون الانتظار للنظر إلى “التتر”، سواء في مسلسلات” الصياد” و”شهادة ميلاد” أو “ظرف أسود”.

ويرى البعض من النقاد أن الفنان هشام سليم قدّم دورا مميزا فاجأ به جمهوره، بعد أن صاغ الشخصية المركبة والمتصارعة بين الخير والشر بشكل واقعي.

وجسدت الفنانة لقاء الخميسي شخصية ليلي حامد الزوجة السابقة للبطل، رغم أن البعض قد يجدها زوجه سلبية استسلمت لرغبات زوجها في تحقيق السطوة والمال، وقدّمت صورة واقعية للكثير من السيدات اللاتي يؤثرن الزوج والأسرة على طموحاتهنّ الشخصية.

ويؤخذ على المسلسل الذي تدور أحداثه في فترة ما بعد ثورة يناير 2011، ظهور شخصية الوزير التي يجسدها هشام سليم ملتحيا، بالإضافة إلى مشهد الذهاب إلى قصر الرئاسة لحلف اليمين في المساء، وهو غير المعتاد في مصر، لكن هذا لا يقلل من القيمة الفنية للعمل وحبكته الدرامية.

وأكد نقاد لـ”العرب” أن عرض مسلسل “بين عالمين” بعيدا عن شهر رمضان ساهم في زيادة نسبة المشاهدة، لأن رمضان يشهد تخمة درامية كبيرة قد تؤدي إلى التأثير سلبا على بعض الأعمال الجيدة التي تعرض وسط العشرات من الأعمال والبرامج.

وعلمت “العرب” أن صنّاع العمل وبطله طارق لطفي تعمّدوا خروجه من السباق الرمضاني حتى يحصدوا ضجة إعلامية بمفردهم، لأن العمل ترك منذ الحلقات الأولى لعرضه بصمة لدى الجمهور جذبتهم لمتابعة حلقاته يوميا، خاصة أنه حافل بالكثير من الإسقاطات التي تحمل دلالات سياسية في الواقع المصري.

16