مسلمات الخطاب الديني السائد

الاثنين 2016/03/07

الملاحظ، أو الجدير بالملاحظة، أو محصلة القول في منتهى القول، أنّ هناك خطابا دينيا شائعا في مساجدنا ومجالسنا ومدارسنا، قد لا يدعو مباشرة إلى العنف والتطرّف، نقرّ بهذا، وقد لا يحرض على الفتنة أو الخروج أو أدنى من ذلك، نعترف بهذا، بل قد يرضي معظم الحكام في بلاد العرب والمسلمين بما يقدمه من ضمانات مرجعية يوفرها الموروث الفقهي حول عدم جواز الخروج عن الحاكم مهما فعل، ما لم يظهر منه كفر بواح، ولن يظهر هذا الكفر البواح بالطبع، لكننا سنحتاج لأن نقول أيضا، إن تقييم الخطاب الديني باعتماد معيار الموقف من الحاكم لا يدل على الذكاء، بل يدل على غلبة الحالة الانفعالية على النّفس العاقلة.

في واقع الحال، ثمة خطاب ديني ظاهره الاعتدال وباطنه الاقتتال، خطاب قد يوسم بالوسطية وفق معايير الموقف من الحاكم الرسمي، لكنه عن قصد أو دونه، ينتج تصورات ذهنية تشكل ألغاما موقوتة قد تنفجر وقد تدفع المرء إلى أتون التطرّف ولو بعد حين. بهذا الصدد يمكنني استخلاص خمس مسلمات ثاوية في الخطاب الديني السائد والموصوف عادة بالوسطية والاعتدال، لكنها قد تدمر الأمن والاستقرار، وتبدد ممكنات النمو والازدهار، وتضيع جهود الناس وذكاءاتهم في التسلط على رقاب بعضهم بعضاً. وإذ يتعذّر احتواؤها في الأوّل أو توظيفها سياسيا في الأخير، كما يبتغي البعض، فإنها تشكل خطرا على أمن الشعوب، وبسببها نقول ونعيد القول لمن يعنيهم هذا القول: الإصلاح الديني ضرورة أمنية.

1 - المسلمة الأولى: الحياة حربٌ أبدية بين الحق والباطل (عسكرة الإسلام).

تبعا لهذه المسلمة، يتصور المسلم بأنّ الحياة عبارة عن صراع أبدي لا أوّل له ولا آخر بين معسكرين متناحرين؛ معسكر أهل الحق ومعسكر أهل الباطل، معسكر أنصار الإيمان ومعسكر أنصار الكفر، معسكر حزب الله ومعسكر حزب الشيطان، وإلى آخر الحكاية. بهذا المعنى تصبح كل العلاقات بين الأفراد، بين المجتمعات، بين الحضارات، بين الأديان، وبين الدول، قائمة على هذا التطاحن التناحري. والمحصلة النهائية في الأخير أن داخل هذه الحرب الأبدية بين معسكر الحق ومعسكر الباطل تضعف قدرة الناس على تدبير التوافق والتنازل والتعايش، والتي تعدّ من أساسيات بناء حياة سياسية سلمية وسليمة.

2 - المسلمة الثانية: لا يمكن للدين أن يستمرّ دون سلطة قهرية أو قاهرة (كهننة الإسلام).

وهذه المسلمة تجعل المسلم يعتقد بأنّ الإسلام الذي نعتبره، ويا للمفارقة، دين الفطرة، يحتاج دائما وبالضرورة إلى سلطة قهرية تلجم نوازع النّفس الأمّارة بالسّوء، وهذا حتى يستمرّ الدين على قيد الحياة. والمحصلة أنّ المجتمعات والتجمّعات الإسلامية ستحتاج دائما إلى نوع من الشرطة الدينية، أو لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو المطاوعة أو نحو ذلك. من هنا يجد المسلم نفسه، بدعوى حفظ الدين، في حالة من الخوف والرّعب والجزع، ليس فقط جرّاء العقاب الأخروي الذي ينتظره، وإنّما جرّاء العقاب الدنيوي الذي يستعجله. ولا بأس من التذكير بالدّرس الأساس لفلسفة التنوير: الخوف ينتج أخلاق العبيد، والتي هي أخلاق النفاق والمسكنة والكتمان والتمكين والتقية والمكر والخداع والكذب على الذات وازدواجية الشخصية. لكن، ثمة درس آخر من دروس التجربة؛ الاعتقاد بأنّ حفظ الدين يحتاج إلى سلطة قهرية ينتهي دائما إلى ظهور سلطة دينية موازية سرعان ما تزاحم الدّولة في أحد أهم مقوماتها: احتكار العنف.

3 - المسلمة الثالثة: لا تقوم مشروعية الدولة إلا على الدين (أدلجة الإسلام).

تعدّ هذه المسلّمة منبعا رئيسيا من منابع الفتن. وذلك لجملة من الأسباب الواضحة، أهمّها أنّ النص القرآني حمال أوجه، وأنّ السنة النبوية موضع تضخم وخلاف وتضاربات فقهية، وأنّ الفتاوى تتشكل من مفاهيم تنتمي إلى القدامة السياسية وتجعل المسلم يشعر بالغربة في عالم اليوم، عالم القرن الواحد والعشرين. في حين، لا يمكن للدّولة القائمة على الدين أن تقوم، إن أذن لها فقهاء الغوغاء بالقيام، إلا على وجه واحد ومذهب واحد وصولا إلى فرقة واحدة. من هنا تبدأ الفرقة. ولا بأس من التذكير بأن معضلتنا الأولى تكمن في أنّ التعددية الدينية لم يتم تأسيسها بعد داخل الرّؤية الدينية، أو ليس بعد. وهذا خلل كبير يفقد الدّولة القائمة على المشروعية الدينية القدرة على أن تمثل الجميع، بكل ما تعنيه كلمة الجميع من تنوع في العقول والأمزجة والميول.

4 - المسلمة الرابعة: تقوم الأخوة على أساس الدين (أخونة الإسلام).

تبعا لهذه المسلمة الشائعة فإنّ المواطن المسلم الذي يعيش في مصر مثلا، يتصور بأنّ ذلك المسلم القوقازي البعيد عنه والذي لا يشاركه المكان أو الزّمان يبقى في كل أحواله أقرب إليه من جاره القبطي الذي يتقاسم معه نفس التراب والخبز والماء، يتقاسم معه نفس التاريخ والجغرافيا والحضارة، يتقاسم معه نفس الآمال في التنمية والنمو والنّماء. وليس فوق هذا الاستلاب من استلاب آخر، وليس فوق هذا الاغتراب من اغتراب آخر. ثم سرعان ما ينتقل هذا الأمر إلى المستوى المذهبي فيتصور السني المالكي في الجزائر مثلا بأن ذلك السني التركي الذي يبعد عنه بآلاف الكيلومترات يبقى في كل أحواله أقرب إليه من جاره الإباضي الذي يبعد عنه ببضع أمتار فقط. وينتقل هذا المنطق ذاته إلى كل الولاءات داخل مختلف الجماعات الدعوية أو الجهادية. وبالطبع بوسعنا أن نتوقع حجم الأضرار التي تصيب نسيج التضامن الاجتماعي حين يتم استبدال أخوة الوطن وأخوة البلد وأخوة المدينة وأخوة الحي السكني، والتي هي مجالات العيش المشترك، بالأخوة الافتراضية للدين ومن ثمة الطائفة، ومن ثمة المذهب، ومن ثمة الفرقة، ومن ثمة لا ثمة.

5 - المسلمة الخامسة: الدين يحل كل المشاكل ويفسر كل المسائل (أسطرة الإسلام).

تعتبر هذه المسلمة أيضا ضمن المسلمات التي يرسخها الخطاب الديني، وهي تدفع الإنسان المسلم إلى أن يتعامل مع الخطاب القرآني ليس كخطاب تعبّدي بل يتعدى ذلك، فلا يقف الأمر عند حدود اعتبار القرآن دستورا للمسلمين، وهذا أيضا مجانب للصواب طالما أن القرآن الكريم نفسه لم يصف نفسه بأنه دستور ولا يجوز لنا بأي حال أنّ نصفه بما لم يصف به نفسه، وإنّما يعتبره بمثابة عصا سحرية أو خاتم سليمان أو مصباح علي بابا، يحمل حلولا سحرية لكل المشاكل والمسائل، بما فيها مسائل الإعجاز والصحة والغيب والإنجاب والجان، وما لا تعلمون! وطبعا، من أسوأ نتائج هذه المسلمة تعطيل العقل وشل الإرادة وتنويم الوعي، وأخيرا، الاستعداد النفسي لتدمير كل شيء لأجل لا شيء في الحساب الأخير، عدا دمار الأوطان وخراب العمران، وهكذا أمسى حالنا الآن.

كاتب مغربي

9