مسلمة بنت مسيحية، ولِمَ لا؟

إيلينا لم تعد تتقولب داخل شرنقتها أدركت أن العلاقات تدوم بالحب ورحابة الصدور بالود وليس بالتناحر بالاحترام المتبادل لا مكان للمكابرة والعناد.
الاثنين 2019/07/29
بالصليب أو بالهلال.. المعبود واحد

الصدفة البحتة قادتني في الغربة للتحدث إلى جارة روسية، لغتي الأولى هي العربية بامتياز، وأنحاز إليها دائما، والثانية إنكليزية متوسطة، وبعض كلمات فرنسية عرجاء، أكثر هشاشة من لغة الأطفال في صفوف التعليم الأساسي لكنني أفهم محدثي، بيد أن الجارة لا تتحدث غير الروسية فقط وترفض ما سواها رفضا باتا، يا لحيرتي، ماذا أفعل؟

تحترم جنسيتها، وتقدس لغتها، وعلى من يريد التحدث إليها الانصياع لهذا. امرأة ستينية شديدة الصرامة والتعنت، قاسية، قوية، عابسة طوال الوقت، تخفي خلف قسوتها وعبوسها شيئا ما؟

لكنها في النهاية “أم”، وهذا مربط الفرس ومبدأ الكلام، في أمومتها لغز مخبأ خلف صورة فتاة رائعة الجمال مسفوحة على الحائط، الصورة معلقة في مكان عجيب، مدخل الشقة، ترسل ابتسامة ترحيب بالقادم، وأخرى عند الوداع، تتربص بعين الداخل فلا يملك منها فكاكا.

التواصل بيننا شبه مستحيل، لكنه ضرورة قصوى يقتضيها الجوار، ولتشاركنا في بعض الخدمات بالعقار، التزامات مادية وإنسانية.

 لم أجد بدا من البعد، لكنني بين الحين والآخر أرسل إليها طبقا مميزا من الأطعمة المصرية والحلويات الشهية التي نتميز بها، كعادتي مع جيراني بمصر، وللأمانة استحسنت المرأة هذا التصرف، أصبحت تتودد إلي بإرسال بعض الأزهار، وتلقي التحية بإنكليزية ضعيفة، لا بأس، حتى أنا لست ضليعة باللغة كما ينبغي!

مشاعر مركبة معقدة كنا نرسلها إلى بعضنا البعض بلا كلمات، حتى باتت ترسل إليّ طعاما يحمل ثقافتها وتراثها.

تقول الحكمة إن معظم ثقافات الشعوب وتراثها الإنساني يختبئ خلف موائد الطعام، تجده في المطبخ، الثقافة الإنسانية البكر تتوزع في أطباق الطعام. في كل طبق من أطباق دولة ما جزء من ثقافة شعبها.

بعد فترة طويلة تخففت جارتي الحسناء إيلينا من صداميتها وعنفها الدائمين، باتت أكثر لطفا وتوددا، صارت تجمعنا أرضية أقل هشاشة من ذي قبل، أحيانا يجمعنا فنجان قهوة، أو نزهة سريعة في حديقة عامة، أحضرت لي كتبا في اللغة الروسية، وأسطوانة لسماع الكلمات ونطقها بطريقة صحيحة.

حقيقة لست بحاجة إلى تعلم اللغة الروسية التي تصنف ضمن أصعب اللغات في العالم، لكن يبدو أن جارتي كانت بحاجة إلى من يستمع إليها، حقيقة الأمر أنها كانت تهديني ما يجعلني أكثر تفهما لأوجاعها التي أخفتها عن كثيرين، فكان الخيار بين أمرين، إما تعلمها الإنكليزية أو العربية، أو أتعلم أنا الروسية، ثمة شعور إنساني دفين تريد التصريح به لعابر، تخجل من البوح به لغيره.

عرفت منها الكثير عن حياة ماضية تركت لها بعض الأحزان، ندوب غائرة في روح حائرة، وروح استراحت من عناء البشر ولم ترح من حولها، ابنة إيلينا فتاة في العشرينات فائقة الجمال، أحبت زميلها في الجامعة، عربي مسلم يدرس في بلادها، قصة حبهما كانت مثار جدل وحديث في الجامعة والبيت والشارع والمحيط الجغرافي، فكل مكان تتعامل فيه الفتاة بدأ بتضييق الخناق عليها.

عنصرية خفية تعلن عن نفسها حتى وإن روّجوا لغير ذلك، ضاقت بهم الفتاة وسافرت مع زميلها بعد أن توجا قصة حبهما بالزواج، وحين عادت إلى روسيا بديانة جديدة، وتعاليم لم تعتدها الأم، كان الصدام المحتدم في البداية، لكن بعد فترة تغيرت الأحوال، لم تكن الفتاة تمل من الشرح والتوضيح.

حالة من تفكيك المفاهيم العالقة بأخطاء فكرية، والمحملة بأوزار الماضي ذي النظرة الدونية للإسلام والمسلمين، أخذت في السريان إلى شرايين العلاقة بين الأم وابنتها والدين الذي لم يعد مشتركا بينهما.

لم تعد إيلينا تتقولب داخل شرنقتها، أدركت أن العلاقات تدوم بالحب ورحابة الصدور، بالود وليس بالتناحر والتباغض، بالاحترام المتبادل، لا مكان للمكابرة والعناد، أعادت نسج علاقة جديدة مع ابنتها، تقبلتها بصورة أذهلت الفتاة، سارت العلاقات بينهما كنهر يجري بسلاسة، غير أن سائقا أهوج حرم الأم من ابنتها، طارت روحها الشفيفة وهي تعبر الطريق، تاركة الجسد بلا حراك.

وحين سكن ابني البناية ذاتها كانت تصدر عدائية مجانية للجميع في بداية الأمر. بيد أن إيلينا التي كانت تفتقد إلى آليات التعامل مع ابني الشاب المندفع بعصبية تصطدم بعصبيتها، أصبحت تحنو عليه كجدة، تقدم له النصيحة، وتسعى لتحذيره من مخاطر ربما يجهلها. هي ترى العالم باتساع الأفق، وروعة التصالح مع النفس تكمن خلف قبول الآخر المختلف في الدين والفكر والثقافة وحتى المظهر الخارجي.

حين أصبحنا صديقتين، عبرت عن مشاعر ملتبسة خلفتها لها الفتاة، وتساؤلات عدة تركتها بلا إجابات شافية، لكن أن تجد مسلمة بنت مسيحية تعيشان في بيت واحد، فهذا ما يبهر في الأمر.

21