مسلمون بين خوفين

الاثنين 2017/04/10
خوف مزدوج

مع توسع ظاهرة الإرهاب ومحطته الأساسية 11 سبتمبر 2001 التي انتقل فيها الإرهاب إلى مرحلة تهديد القوى الكبرى المحتكرة للتهديد، اتخذ الخوف من المسلمين الحيز الأكبر ضمن هواجس الخوف الكثيرة والمتعددة التي يعيشها البشر انطلاقا من غريزة البقاء، وتم تعزيز هذا الخوف بالعديد من المعطيات أهمّها انطلاق مفهوم مكافحة الإرهاب وضجيجه الإعلامي، الذي لا يخرج عن حيّز استغلال مشاعر الخوف من الآخر، المسلم، وتوظيفه في مجتمعات متباعدة ومختلفة، وتحويله إلى قاسم مشترك على مستوى الشعوب المختلفة.

شكّل الخوف من المسلمين مفارقة كبرى، إذ بدل اتباع السياسة الأسلم والأكثر عملية في مواجهة الخوف عبر فتح آفاق الحوار لفك الارتباط بين الجهل والخوف، ولإيجاد السبل الكفيلة بإيقاف هذا المدّ الإرهابي أو تحجيمه؛ تمّ تعميمه واستخدامه لغايات أخرى وأهداف تتجاوز مواجهة المخاوف المعلنة على مستوى العالم ككل، وقد قدّم هذا الخوف وطريقة ردعه في الحرب على الإرهاب فوائد سياسية متعددة للأنظمة الغربية والعربية.

فعلى صعيد الدول الغربية تم ربط الأزمات التي تشكل تهديدا داخليا لهذه الدول بخوفين؛ ديموغرافي وأمني، يصبّان في وجود معضلة الإرهاب، فتحولت أزمة العجز الاقتصادي الذي أنتج مشكلة البطالة والتهميش إلى خوف ديموغرافي يتم فيه التركيز على الهجرات ومنها الهجرة العربية. وتحولت مشكلة صعود الخطاب اليميني المتطرف الناتج عن أسباب داخلية متعددة إلى خوف أمني يتطلب التشديد ويتم التركيز فيه على العامل الخارجي والإرهاب المتعلق بالإسلام السياسي.

هذان الخوفان اللذان تصدّرا الخطاب السياسي والإعلامي بتحويلهما إلى عاصفة ضدّ كل ما هو عربي وإسلامي، أزالا عن كتف الحكومات الغربية إيجاد حلول مناسبة لأزمات شعوبها وتوجيهها نحو أزمة وحيدة متمثلة بـ”الإرهاب الإسلامي” تتطلب القضاء عليها ومكافحتها، رغم التقرير الصادر عن وكالة تطبيق القانون الأوروبية “يوروبل” في مايو 2014 عن العمليات الإرهابية في السنوات الخمس الماضية،، يشير إلى أن 2 بالمئة من هذه العمليات تم ارتكابها بسبب دوافع دينية وبنسبة أقل عدد العمليات التي قام بها “متطرفون” إسلاميون، وأن معظم العمليات الإرهابية ارتكبت بسبب المعتقدات العرقية أو القومية أو الانفصالية.

غريزة البقاء وتحويل الخطر الداهم نحو الإرهاب الإسلامي وضعت المسلمين داخل خوفين، من الإسلام وعليه

أما على الصعيد العربي فقد قدّم الإرهاب والتطرف الديني خدمات جليلة للأنظمة التي استطاعت حماية مصالحها من خلال تحويل الخوف إلى مصدر خارجي وخارج عن السلطة واعتبار نفسها في خندق واحد مع المواطنين في مواجهة هذا الخطر، كما استطاعت مقايضة المطالب الاجتماعية، مثل الشغل والحرية والديمقراطية وغيرها، بمطلب وحيد هو الأمن، وبالتالي فالإرهاب الذي يعلن مناهضته للسلطة الحاكمة لا يضعف سلطتها بل يقوّيها في أغلب الحالات ويبرء ساحتها مما تقوم به من تدمير اقتصادي وسياسي واجتماعي لدولها.

الإرهاب الديني والخوف من المسلمين الذي حوّل مطلب الأمن والأمان إلى مطلب شبه وحيد في معظم دول العالم، ولّدا ظاهرة أخرى لا تقل خطرا وهي الخوف على المسلمين التي شكلت منبرا للانتشار العقائدي والعاطفي، وأدت إلى زيادة التطرف الديني الذي لا يقتصر على بعض المظاهر البسيطة نسبيا كانتشار الحجاب، وزيادة الإقبال على المساجد، إنما في زيادة شعور المسلمين بضياع هويتهم الإسلامية داخل الغرب، وبالتالي انغلاقهم وعدم القدرة على المساهمة في صناعة رأي عام لصدّ مقولة الخوف من المسلمين، إنما بتعزيز هذه المقولة في ظهور الخطاب المعادي للغرب لدى السكان المسلمين الموجودين في الدول الغربية، واللجوء نحو الإرهاب دفاعا عن وجودهم، وبالتالي إنتاج وقود جديد لنار الحملة على العرب والمسلمين أينما كانوا.

وقد يكون استطلاع الرأي الذي أجرته منظمة تيرور فري تومورو خلال 2002 و2003 في إندونيسيا والأردن والمغرب وباكستان واعتبار 70 بالمئة من المستطلعين أن “أسامة بن لادن يفعل الشيء الصحيح في ما يتعلق بالشؤون العالمية”، خير دليل على تقبّل العنف واعتباره دفاعا عن الإسلام، ويمكن إرجاعه إلى اللبس القائم بين الإرهاب والمقاومة في أذهان الناس، وإلى تغلغل حالة اليأس وانعدام الثقة بالقدرة على مجاراة أو مواجهة الغرب المتطور، إضافة إلى تغلغل الفكر التكفيري الذي يستبيح قتل كل من يختلف معه دينيا أو مذهبيا أو فقهيا، محليا وعالميا.

وبهذا فإن مكافحة الإرهاب واستسهال العنف يجب أن يكونا أولوية إسلامية قبل الحديث عن مسؤولية الغرب وإطلاق النفير بالخوف على الإسلام والمسلمين. غريزة البقاء وتحويل الخطر الداهم نحو الإرهاب الإسلامي، وما رافقه من تجليات الخوف وضعت المسلمين داخل خوفين، خوف من الإسلام وخوف عليه، يعزز أحدهما الآخر، ليست أكثر من تعمية عن وجود أزمة حقيقية لدى الشعوب، غربية كانت أم شرقية، في صياغة تواصل إنساني يكسر هوامش الأفكار المعلّبة ضد الآخر “المخيف والخائف”، والتي تسقط الجميع في دوامة الرفض والعنف الدموي، وتسهل انقيادهم من قبل كافة السلطات.

13