مسلمون فرنسيون يعادون قيم الجمهورية التي كانت سببا في احتضانهم

التيار الإخواني يتغلغل في المؤسسات ويعطل التدابير الحاسمة، وعلمانية فرنسا مهددة بالترهل نتيجة تنامي الثقافة الانعزالية.
الخميس 2018/04/05
مسلمو فرنسا بحاجة إلى اندماج أكثر

تتجه أوضاع المسلمين في فرنسا إلى المزيد من التعقيد بسبب تداعيات التطرف الديني وتورط بعض أبناء الجيل الثالث من المهاجرين في عمليات إرهابية. فقبل أسابيع أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فشل النموذج الحالي لتدبير ملف الإسلام في البلاد، ذاك النموذج الذي أرساه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، وأعلن ماكرون ـ من ثم ـ عن الشروع في إعادة تقييم الوضع في فرنسا وتجاوز الأعطاب التي شابت سياسات سابقيه.

وتتمحور القضايا المحورية التي يصب عليها الرئيس الفرنسي اهتمامه حول إنشاء هيئات قادرة على تمثيل المسلمين فوق التراب الفرنسي وتلافي المشكلات الناجمة عن تشتت الولاءات، وإخضاع تمويل دور العبادة للمراقبة المالية، وتكوين أئمة فرنسيين ليحلوا محل الأئمة الذين يأتون من بلدان إسلامية مختلفة طوال العام، وهو ما شرعت فيه باريس بالفعل منذ نحو عام، حين أرسلت عددا من الأئمة لتلقي تكوين في “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين” بالمغرب.

بيد أن النقاش حول الإسلام في فرنسا لا يقتصر على الجانب الرسمي فحسب، فالوسط السياسي والثقافي يخوض نقاشا حاميا منذ فترة ليست بالقصيرة.

وقد تابعنا كيف أن وضع الإسلام كان في قلب الجدل السياسي خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، جدل أملته مخلفات العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا خلال العامين الأخيرين، وكذلك صعود اليمين المتطرف ممثلا في حزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان.

ومنذ أيام قليلة، نشر قرابة مئة من الباحثين والإعلاميين ورجال السياسة في فرنسا بيانا مشتركا تحت عنوان “لا للطائفية الإسلامية”، أراد منه موقعوه أن يكون تحذيرا للمجتمع الفرنسي، بمسلميه وغير مسلميه، من انتشار ثقافة انعزالية وسط أتباع الديانة الإسلامية بدعوى الدفاع عن الهوية ومناكفة العلمانية الفرنسية.

 

متى يعلم جميع مسلمي فرنسا بأن العلمانية هي التي كانت سببا في وجودهم، وأن لا نظام ولا حزب ولا جهة دينية أو سياسية أحرص على أمنهم وحريتهم غير قيم الجمهورية التي أقرها قانون 1905، والذي يلزم الدولة بالحياد التام والوقوف على مسافة واحدة مع جميع الديانات والطوائف الدينية، لكن الواضح أن جماعة الإخوان بدأوا بعد هزائمهم في مناطق عديدة، في تكريس فكرة لدى مسلمي فرنسا ودول غربية أخرى، مفادها أنهم كيان منفصل عن المجتمع ولا يمكن أن يتآلف هذا الجسم مع مبادئ العلمانية التي يصورونها كعدو رغم أنها كانت سببا في استمرارهم بمأمن عن الحركات الدينية المتطرفة.

وحذر هؤلاء من خطر بروز العقلية الطائفية وسط بعض أبناء الجالية المسلمة وتهديدها لقيم الجمهورية والتعايش المشترك، المبني أساسا على قيم العلمانية المرتكزة على القانون الشهير الصادر عام 1905، الذي يمنع الدولة الفرنسية من الانحياز لأي طائفة دينية ويلزمها بالحياد، وخصصت يومية “لوفيغارو”، التي نشرت الموضوع في صدر صفحتها الأولى، افتتاحية حذرت فيها من ظهور “مجتمع مضاد داخل المجتمع الفرنسي”.

الأهم في البيان الذي وقعه هؤلاء أنه يشير بالأصابع الصريحة إلى تيار معين في فرنسا هو تيار الإخوان المسلمين وبعض أطياف السلفية المتشددة وجماعات إسلامية أخرى. ولم يعد خافيا أن جماعة الإخوان المسلمين باتت تسعى إلى إثارة مواجهة مفتعلة مع الدولة الفرنسية بدعوى معاداة العلمانية، وبدعوى أن العلمانية الفرنسية تحارب الهوية الإسلامية.

ولعل هذا وحده ينهض دليلا واضحا اليوم على فشل آليات تدبير موضوع الإسلام في فرنسا فشلا ذريعا، ذلك أن المؤسسات التمثيلية التي يفترض فيها تمثيل المسلمين والنطق باسمهم والدفاع عن مصالحهم أصبحت اليوم متجاوزة بفعل تغلغل التيار الإخواني في عدد من تلك المؤسسات، وهو ما يدل على ضعفها وعدم قدرتها على تحقيق استقلاليتها في وجه الأيديولوجيات الدينية السياسية التي تريد توظيف الوجود الإسلامي في فرنسا لخدمة المصالح الطائفية للجماعة.

ويخطئ المسلمون في فرنسا خصوصا وفي الغرب عموما عندما ينساقون وراء الأطروحة السياسية التي تقول بمعاداة العلمانية للإسلام. إن المنطق السليم يؤكد بأن العلمانية رافد من روافد الوجود الإسلامي في أوروبا.

 ويمكن أن تكون للعلمانية مساوئ ناجمة عن التطبيق، ولكن مصلحة المسلمين تتمثل في الدفاع عن الشرط العلماني وفرض احترامه وليس مهاجمة العلمانية التي يتم التفكير فيها بشكل بدائي وكأنها خصم لدود، فالخصم الحقيقي سيظهر عندما تتعب العلمانية وتتراجع مقابل تقدم وانتصار حركات التطرف والطائفية.

 وينبع الخطر الحقيقي من تغول التيار الإخواني وفرض أجندة معينة على المسلمين في الغرب بغية استعادة توازنه بعدالضربات التي تلقاها في مناطق كثيرة، ذلك أن هذا التيارـ الذي تكبد خسارات فادحة في عدد من البلدان العربية وصار محاصرا اليوم ـ يبحث عن منفذ له في الديمقراطيات الغربية، ويسعى إلى استغلالها بطريقة منحرفة لرهن المسلمين، وإعادة بناء نفسه من خلال شحذ التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من داخل الديمقراطيات الغربية.

وصدرت تقارير واستطلاعات رأي عدة في الأعوام الأخيرة تشير إلى أن هناك حالة من الجفاء بين المسلمين وقيم الجمهورية الفرنسية، وتتهم المسلمين بعدم القدرة على التعايش مع تلك القيم، وفي قلبها قيمة العلمانية بما هي مكسب إنساني كبير في أوروبا.

وأظهر آخر استطلاع للرأي نشرت نتائجه في الفترة الأخيرة أن أكثر من ستين في المئة من مؤيدي اليمين واليمين المتطرف في فرنسا لا يجدون تطابقا بين الإسلام وقيم المجتمع الفرنسي، وهي نسبة قد ترتفع في الفترات المقبلة في ظل تنامي الثقافة الانعزالية التي يدفع في اتجاهها طرف سياسي يريد تحويل الوجود المسلم في أوروبا إلى “برنامج سياسي”. وهذه النسبة تعد كبيرة وتنذر بالمزيد من الضبابية وانسداد الآفاق.

13