مسلمون ومعمرون ويهود.. وحب مستحيل

الخميس 2013/09/12
خضع للرقابة بسبب كتاباته الجريئة

ياسمينة خضرة، هو الاسم المستعار للكاتب الجزائري محمد مولسهول، المولود عام 1955 بولاية بشار الجزائرية. اشتغل بالقوات المسلحة ما يزيد عن ثلاثين سنة، وكان من الضباط الذين تكفّلوا بمحاربة السلفيين منذ سنة 1992. ورواية "تَهلك الملائكة بجراحنا"، مولود أدبي جديد ينضاف إلى رصيد زاخر أثثه الكاتب الجزائري تحت اسمه المستعار، ياسمينة خضرة، الذي وقع به كل كتاباته باللغة الفرنسية، ونذكر منها، "حورية" و"بنت الجسر" و"من الضفة الأخرى للمدينة".

لما بدأ ياسمينة خضرة ينشر رواياته في الجزائر، وجد أن الحياة العسكرية لا تسعفه بأن تكون له حياة أدبية، إذ ما إن نشر أولى رواياته باسمه الحقيقي حتى ناصبته الرقابة العداء، حيث يقول: "خلال فترة عملي في الجيش، قمت بإصدار روايات موقعة باسمي الحقيقي، وبسبب كتاباتي الجريئة تم إخضاعي للرقابة من قبل السلطات العليا في الجيش". اعتزل الحياة العسكرية وأقام بباريس وتفرّغ للكتابة.

اسم شهرته هو اسم زوجته التي قال عنها: "كانت هي التي أعطتني الشجاعة لكسر المحرمات وتجاوز الصعاب.. عندما حدّثتها عن منع الرقابة العسكرية لنشاطاتي الأدبية، تطوعت لتوقيع عقود نشر رواياتي باسمها".

يشغل ياسمينة خضرة الآن منصب مدير المركز الثقافي الجزائري في باريس، ثاني أكبر مؤسسة ثقافية عربية في فرنسا بعد معهد العالم العربي.


الملائكة تهلك


تنصبّ كتابات ياسمينة خضرة على تفكيك منظومة القيم التي تحكم مجتمعه الجزائري بغية الوقوف على إيجابياتها وسلبياتها، وهو في كل ذلك ينتقد طبيعة التواصل الذي يحكم علاقة الشرق بالغرب، وما فيها من رؤية دونية لكلّ ما هو عربيّ، كما يكشف عن دموية الحركات الأصولية واستعمالها الدين سبيلا إلى بلوغ كراسي الحكم.

ولعل آخر رواياته "تهلك الملائكة بجراحنا" تقدّم قراءة جديدة لأحداث السنوات الأولى للاستعمار الفرنسي بالجزائر، عبر كشف الحياة الغرامية لبطل جزائريّ في الملاكمة.

قراءة جديدة للاستعمار الفرنسي

"اسمي تورامبو، وفي الفجر، سيأتون في طلبي" ابتداء من هذه الجملة الأولى في الرواية وحتى الجملة الأخيرة يحتفظ الكاتب ياسمينة خضرة بطاقة مدهشة على سرد أحداث روايته الجديدة الصادرة عن منشورات جوليار. موهبته كحكواتي غنية عن التعريف، إذ سبق له أن أهدى جمهور القراء روايات "ما بذمة النهار نحو الليل" و"سنونو كابول" و"صفارات إنذار بغداد".

في هذه الرواية الجديدة، يستحضر ياسمينة خضرة، الجزائر المستعمرة خلال سنوات 1920. من أجل ذلك، يروي قصة فتى جزائري يدعى تورامبو، على اسم قرية مُسحت من فوق الأرض "لربما كانت تلك القرية تدعى أرتور ريمبو".

نعرف مصيره منذ الصفحة الأولى: إنه محكوم عليه بالإعدام شنقا وينتظر موعد تنفيذ عقوبته، يروي إذا "… في الفجر، سيأتون في طلبي". بعدها، يسل خضرة خيط حياة مضادا للبطل، من طفولته المعوزة إلى هذا المصير المحتوم. بلمسة فنان، تُسحب أحداث الحكاية عبر إيقاع يرتعد، حيث تتلاطم المواقف وتنصهر الكلمات. من خلال حديثه عن تورامبو، إنما يحكي الكاتب عن بلد يقض العوز مضجعه، عن العلاقات المعقدة بين ثلاثة مجتمعات: المسلمين واليهود والمعمرين، وعن علاقات الحب المستحيلة.

شرك الحب

من صنائع بئيسة وأشغال شاقة لا مسمى لها، ينتهي الأمر بـتورامبو الأمي، قليل الحيلة، المنحوس وذي قبضة اليد الخفيفة والصادمة، باستغلال موهبته الوحيدة لاحتراف الملاكمة.

سيتأتى له ذلك، سيداعب إمكانية الفوز ببطولة شمال أفريقيا، سيعرف الترف، أهوال العشق وابتهاجاته. إنما لا أحد يهرب من مصيره: يتم تذكيره من أين أتى. يركز خضرة اهتمامه بشكل خاص، على المسار العاطفي لبطله الشاب، الذي سيسقط في غرام أول فتاة توليه شيئا من الاهتمام، حتى وإن كانت مومسا.

وهو إن كان يفوز في مباريات الملاكمة، ففي قصص الحب لا يكون الفائز دائما، بل على العكس من ذلك. مع خال مدمن، وأم خاضعة وأب شبه مجنون، لن تشكل الأسرة بالنسبة إليه ملاذا أبدا.

يشكل الكاتب من هذه الحكاية رواقا جميلا لبورتريهات نساء وشخصيات محدودبة، لمشاهد مؤثرة، لكن تبقى الحوارات هي الأكثر لذة (لعبة تنس الطاولة الأدبية) وكذا استعادة الإخفاقات، التي تُذكر بأن الدعابة هي التعبير المهذب عن اليأس.

هناك أيضا، الطريقة التي يعبر الكاتب من خلالها عن المناظر الطبيعية وجمال المدن، خاصة وهران: إنها شخصيات مطابقة للواقع، تسمو بألوانها، تعيش وتتنفس تحت قلم الروائي. في هيأة غير محددة المعالم، على شكل خيال مسل، يصف الكاتب فترة من التاريخ مفعمة بالدلالات الرمزية، ويفك شفراتها.

بورتريه عربي

تدور روايات الكاتب كلها حول واقــع المجتمعات العربيــة، حيث يديــن فيهــا كل ما من شأنه أن يعيــدها إلى التخلــف والتراجع تحت اسم الدين والعنــف والإرهــاب، يحاول دائما، وهــو الــذي يعيــش في باريـس، أن ينقل إلى الغــرب، صورة حية لهـذه المجتمعات، في أسلــوب أدبـي رائع ومختلــف تمامــا عــن كل ما كتب ويكتب من قبــل الكتــاب الجزائريـين، وحتى العرب منهــم، خصوصا فيما يتعلق بتعاملهم مع الأحداث العصريـة التي تواجهها المجتمعـات العربيــة.

لهذا السبب حظيت الكثير من أعماله بجوائز من الأكاديمية الفرنسية مثل "خريف الوهم" و"سنونو كابول".

14