مسلمو أفريقيا الوسطى بين قسوة المنافي والخوف من تكرُّر المأساة

الثلاثاء 2014/10/14
الصعوبات التي لاقاها مسلمو بانغي في منافيهم القسرية أجبرتهم على العودة رغم الرعب الذي مازال يسكن قلوبهم

بانغي - العودة إلى أرض الوطن والعيش في طمأنينة وسلام، حلم ما فتئ يراود جلّ مُهجّري أفريقيا الوسطى التي أضناها الاقتتال بين ميليشيات مسيحية وأخرى مسلمة، أصبغت صراعها السياسي بلون طائفي ليزيد من معاناة المدنيين البعيدين كلّ البعد عن حساباتها الضيّقة. عودة هي اليوم قائمة بفعل الواقع بعد أن شهدت البلاد تراجعا في نسب العنف الذي عاشته على مدار السنة الماضية، غير أنّ ظروفها بدت مأساوية في عيون مُهجّرين تمزّقت قلوبهم بين التشبث بوطنهم والخوف المستمر من استهدافهم مجددا بالتقتيل والتنكيل.

يغلب التعب على العديد من المسلمين العائدين إلى أفريقيا الوسطى في مجموعات صغيرة على متن شاحنات استأجرتها منظمات إنسانية، لبدء حياة جديدة رغم المخاوف، بعد أن اضطروا للفرار، في وقت سابق، أمام أعمال العنف العرقية والدينية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من سنة.

ويقول كثير من العائدين إنّه لم يعد لديهم من خيار سوى العودة إلى بلادهم، نظرا للصعوبات التي لاقوها خلال منفاهم القسري في الملاجئ التي أقاموا فيها في البلدان المجاورة.

وفي هذا السياق، قال الشاب أحمد أدوم، بائع الحديد العائد إلى بانغي مؤخرا: “كانت حياة قاسية جدا في الملجأ الذي كنّا نقيم فيه في تشاد، لقد كنّا في أمان، لكننا لم نكن أحرارا في تحركاتنا”.

وعلى غرار عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين، اضطر الشاب أحمد إلى ترك كل شيء للنجاة بحياته في وقت سابق، وتوجّه رفقة عدد من الفارين إلى تشاد، في حين فرّ آخرون إلى الكاميرون ومالي وغينيا وبوركينا فاسو وحتى إلى السنغال.

أحياء شمال بانغي ما زالت تلتهب باستمرار ويسمع فيها صوت الرصاص ليلا، في حين تنغص الجريمة حياة العاصمة

من جهتها، قالت استا، بائعة جوز الكولا، التي بدت ملامحها الشاحبة تدل على وطأة ما مرّ عليها من إنهاك وتعب: “لا أريد أن أشقى في الغربة بعيدا عن موطني في أفريقيا الوسطى”.

وأضافت: “عند الحدود مع الكاميرون، تكفلوا بي رفقة أبنائي، لكنّ ظروف الإقامة كانت بائسة وسيئة للغاية. حيث أنّي فقدت اثنين من أبنائي، ولم يكن بوسعي أن أبقى هناك، لهذا عدت إلى بلادي التي آمل أن يتغير الوضع فيها نحو الأفضل حتى ننعم بالعيش في سلام وطمأنينة”.

وفي سياق متّصل، روت استا بصعوبة، بلغة السانغو (اللغة الوطنية في أفريقيا الوسطى) كيف كانت حياتها اليومية في مخيم اللاجئين في الكاميرون، حيث قضى إبناها الصغيران جوعا، واصفة ما عانته من قلة الطعام وطوابير الانتظار الطويلة التي لا تنتهي عندما يتم إحضار المؤن. حيث قالت: “لقد كنّا نكافح كثيرا من أجل الوصول إلى الطبيب”. من جهة أخرى، قال كثيرون من بين العائدين إنّهم اشتاقوا لرؤية مدنهم وما حلّ بها بعد تراجع الخطر.

وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ أحياء، شمال بانغي، ما زالت تلتهب باستمرار ويُسمع فيها صوت الرصاص ليلا في حين تنغّص الجريمة حياة عاصمة أفريقيا الوسطى، رغم توقف التجاوزات التي كانت تمارسها حركة “سيليكا” المسلمة التي سيطرت على الحكم في مارس 2013 من جهة، ومليشيات “انتي بالاكا” المسيحية التي أطاحت بتحالف “سيليكا” في يناير الماضي من جهة أخرى.

حيث عمدت ميليشيات “الانتي بالاكا”، بدعوى أنّها تعتبر المدنيين المسلمين متواطئين مع “سيليكا”، إلى تطهير عرقي حقيقي أرغمهم على الفرار، ولم تتمكن أي منظمة من إعداد حصيلة كاملة لعدد الضحايا الذين سقطوا جراء الاقتتال الذي عصف بالبلاد.

هذا ويأمل معظم العائدين في استتباب السلم والعيش في تناغم ووئام وسلام، وكلّ ما يهمهم الآن هو استئناف أنشطتهم التي يمكن أن تكفّ جوع أبنائهم، لا سيما الأنشطة التجارية؛ مثل بيع قطع غيار السيارات وغيرها من الآليات والزيوت والمواد الأساسية والنسيج والأحذية.. لأنهم هم الذين كانوا يسهمون في إدارة هذه القطاع، وبالتالي في إدارة عجلة الاقتصاد بالعاصمة قبل رحيلهم. وقد كان لغيابهم انعكاسات سلبية أدت إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق.

العائدون يأملون في استتباب السلم والعيش في تناغم ووئام وسلام، وكل ما يهمهم الآن هو استئناف أنشطتهم

وفي هذا السياق، قال التاجر العائد عيسى: “ننتظر الكثير من المجتمع الدولي لمساعدتنا، لقد كان لي متجر قيمته أكثر من مليوني فرنك أفريقي (ثلاثة آلاف يورو) وذهبت إلى تشاد فقيرا، لكنّني قررت العودة، وبما أنّي لا أملك شيئا الآن، وفي هذا الوقت الذي يبدو أنّ السلام قد عاد إلى البلاد، أعوّل على المجتمع الدولي لمساعدتنا”.

عليو مختار، هو أيضا تاجر عائد حديثا، قال: “بعد عودتي فتحت متجري بالقليل من المال المتوفر لديّ، لكني مازلت أشعر بالخوف منذ عدت من الكاميرون، خاصة وأن متجري موجود في حي “بي كاي5”، شمال بانغي، الذي ما زال يشهد أعمال عنف من حين لآخر”. وفي دلالة على أن مخاوفهم لم تنته بعد، تخلى مسلمو بانغي عن ملابسهم الملونة التي اشتهروا بها من باب الاحتياط، وباتوا يلبسون ثيابا غير ملونة تشبه ملابس أغلبية السكان المسيحيين.

وذكر القصاب اوسيني، الذي فقد كل ما يملكه تقريبا بسبب التناحر الطائفي الذي كانت تحركه أجندات وغايات سياسية: “ما زلنا خائفين لأنّ البعض يريد الاستمرار بممارسة العنف”.

وأضاف: “أنا رحلت من تشاد إلى الكاميرون لكي أعود إلى بانغي من جديد على أمل أن يعمّ السلام مجتمعنا وأن تسود قيم التسامح والمحبة والتعايش بلادنا”.

13