مسلمو أفريقيا الوسطى: نحن نموت ببطء

تعترف السلطات الحكومية الرسمية لأفريقيا الوسطى بأنها عاجزة عن إيجاد حل جذري ونهائي للأزمة الطائفية والصراع الديني الذي يجوب شبح عودته البلاد، بعد أن خفت في السنوات الأخيرة. فالمجموعات المسيحية المتطرفة لا تعرف حدودا أو ردعا عند قيامها بالاعتداء والقتل في الشوارع، مستهدفة كل المسلمين والمسيحيين المسالمين على حد السواء.
الخميس 2015/11/12
يتأجج الصراع الديني في أفريقيا الوسطى وسط متابعة سلبية من القوات الدولية

بانغي- “تركنا لوحدنا في مواجهة مصيرنا، حتى أننا لم نعد نجرؤ على الخروج”. هكذا استهل هارون غايا، أحد مسلمي أفريقيا الوسطى في العاصمة بانغي حديثه عن معاناة المسلمين جراء الاعتداءات التي يقوم بها بعض المسيحيين المتطرفين في البلاد.

ويعد هارون غايا واحدا من مئات التجار الذين يعيشون في البلاد على تجارة السلع وزيارة الأسواق والتنقل كثيرا، لكن النزاعات الدينية في بلاده حالت دون أن يمارس نشاطه اليومي ويتحصل على رزقه.

“لقد كانت السوق مقفرة كما هو عليه الحال هنا منذ أسابيع، فالطرقات مقطوعة، والناس يلازمون منازلهم، إنّه اليأس المطبق على النفوس هنا، نحن نموت ببطء، ولازلنا أحياء بفضل الله فحسب، لكن إلى متى سيستمر هذا الوضع؟”. ولعل هذه الكلمات تلخص يوم هارون في السوق المجاورة لحيه الذي يسكن فيه.

ويعود هذا الخوف المنتشر في أوساط المسلمين والمسيحيين على حد السواء إلى الممارسات العنفية التي تقوم بها ميليشيات “أنتي بالاكا” المسيحية المتطرفة في أفريقيا الوسطى، والتي تلاحق المسلمين في كل الأماكن التي يعيشون أو يشتغلون فيها وتعاقب حتى المسيحيين الذين يتعاملون معهم، لذلك فأغلب الأسواق التجارية مغلقة منذ مدة خوفا من بطش هذه المجموعات العنصرية.

ويلقي هذا العنف الطائفي بظلاله على بلد اعتقد المراقبون لفترة أنه استطاع تجاوز أزمته ولو نسبيا، غير أنّ الأحداث على الأرض سرعان ما فنّدت جميع التوقعات، مع سقوط نحو 90 قتيلا وإصابة مئات آخرين بجروح، وذلك منذ سبتمبر الماضي، بحسب مصادر رسمية. ولم تشهد سلسلة أحداث العنف والانتقام انقطاعا منذ مقتل شاب مسلم، يوم عيد الأضحى الماضي، قبل نحو شهر ونصف الشهر، على أيدي ميليشيات “أنتي بالاكا” المتطرفة.

يوسف، مسلم يقيم بحي “البي. كا 5” بالعاصمة بانغي، وهو أب لـ3 أطفال، قال معقّبا على أحداث العنف الأخيرة “مشهد الجثث المفصولة عن رؤوسها وقطع اللحم البشري المتناثرة لا تزال تطارد مخيلتنا ونحن نحاول تهدئة أطفالنا لأن معظمهم أصيب بصدمة نفسية”.

وفي مواجهة الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، لم يتردد سكان “البي كا 5”، مسلمين كانوا أم مسيحيين، في توجيه انتقادات إلى القوى الدولية والفرنسية والأممية، وحتى قوات الأمن بأفريقيا الوسطى. فجميع هذه القوات متهمة، بحسب رأيهم، بالتقصير وبعدم السعي لمنع حدوث تلك المجازر وحوادث الانتقام البشعة.

ويقول خالد أوبانغي وهو موظف متقاعد إن “المجرمين يجوبون الشوارع على مرأى ومسمع من جنود المينوسكا (البعثة الأممية في أفريقيا الوسطى)”، مضيفا أن “الأزمة الطائفية تستمر بشكل سخيف، لأنه يحدث وأن يلجأ المسلمون إلى الكنائس للاختباء، والعكس صحيح بالنسبة للمسيحيين، لكن اللافت هو أن القوات الدولية لا تتدخّل”، فيما قال أحد الشبان المسلمين “أنا متشائم للغاية حيال المستقبل، ولا أدري إن كان علينا التخوف من اندلاع الحرب الأهلية من جديد، لأن هذا ما نعيشه بالفعل، والحرب عادت فعلا.. فما الذي تبقى إذن؟ استنساخ لمأساة رواندا في 1994 وإبادة المسلمين؟”.

وفي سياق حالة عدم الاكتراث التي تعيشها القوات الأممية الموزعة في أفريقيا الوسطى، يؤكد العديد من المراقبين أن السلطات أيضا لا تملك حلولا عملية للفوضى والتقاتل الطائفي المستشري في البلاد، فقد صرح وزير الإدارة الترابية ماديبو بشير وليدو “إن تجدّد موجة العنف في البلاد، لا يشكّل سوى حلقة ضمن أزمة أكثر عمقا”، مؤكدا أن سياسة حكومته تعاني ضبابية في التعاطي مع هذه الأزمة.

13