مسلمو ألمانيا بين تضامن القوى التقدمية وعنصرية "بيغيدا"

الثلاثاء 2015/01/13
مسلموا ألمانيا تحت مقصلة التطرف اليميني

برلين- لم تمض ساعات قليلة على الهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة “شارلي إيبدو” في وسط العاصمة الفرنسية باريس، حتى تحركت العديد من اللوبيات المعادية للهجرة وللمسلمين في أوروبا للتظاهر ضد الحدث والخروج إلى شوارع المدن الرئيسية الأوروبية للتعبير عن رفضهم لوجود الجاليات الأجنبية في بلدانهم وخاصة ما أسموه “الخطر الإسلامي المتزايد في الدول الأوروبية والذي يهدد قيم العلمانية والحرية التي تميّز العالم الغربي”.

وقد ظهر ذلك بشكل جلي خاصة في ألمانيا، التي استغلت فيها حركة “وطنيون أوروبيون من أجل عدم أسلمة أوروبا” والمعروفة اختصارا بـ”بيغيدا” الهجوم الأخير على الصحيفة الفرنسية، حيث دعت الحركة أنصارها إلى مزيد من الحشد والتظاهر والكتابة على صفحات الاتصال الافتراضي فيما أسمته “إنقاذ ألمانيا من التعصب والإرهاب”. ولكن في المقابل، تحركت العديد من المنظمات والجمعيات التي تدافع عن الكونية والحقوق والاندماج لمعارضة هذه المواقف، ولعل الجدل الحاد الذي ميّز المشهد السياسي الألماني أخيرا يصور هذا التناقض بشكل واضح.

حيث سارعت الرئيسة السابقة لحزب الخضر الألماني المعارض كلاوديا روت إلى شن هجوم معاكس على حركة بيغيدا و”أنصارها” في الأحزاب الحاكمة الحالية، مؤكدة أنها حركة عنصرية بامتياز، فيما ذهب كونراد آدم القيادي في الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم إلى التأكيد على أن جزءا كبيرا من الشارع الألماني منخرط في حركة بيغيدا وأنه “على الجميع الاستماع إليها”.

كلاوديا روت : الرئيسة السابقة لحزب الخضر ونائبة رئيس البرلمان الألماني، ناضلت في صفوف اليسار الألماني منذ كانت طالبة إلى أن انخرطت في حزب الخضر منذ أواخر الثمانينات


التحاور مع مسلمينا ضرورة وبيغيدا حركة عنصرية


طالبت رئيسة حزب الخضر الألماني المعارض السابقة، كلاوديا روت، الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ألمانيا، بالابتعاد عن حركة “بيغيدا” المناهضة للإسلام، والتي استغلت الهجوم الأخير على صحيفة “شارلي إيبدو” وسط العاصمة باريس من قبل ثلاثة إرهابيين تابعين لتنظيم القاعدة لتأجيج الواقع ضد المسلمين والمهاجرين بشكل عام، وللقيام بمزيد من المظاهرات والاحتجاجات.

وقد عارضت كلاوديا روت التصريحات الصادرة عن قيادات من الائتلاف الحزبي الحاكم في ألمانيا، في ما يخص الميل لتوجه حركة “بيغيدا” المناوئ لوجود مسلمين في أوروبا وفي ألمانيا، وقد صرّحت روت قائلة: “نحن نلوم هذه القيادات التي تتشبث بأفكار قديمة لأننا نحس من تصريحاتها أنها تتعاطف مع دعوات طرد الأجانب من ألمانيا، وخاصة المسلمين، وتناسوا أن أسس الدولة الألمانية تتعارض مع هذه الأفكار، ومن ناحية أخرى، فإن استغلال الجريمة الإرهابية التي حدثت في العاصمة الفرنسية باريس، يعد توظيفا سياسيا لأحداث تُلزمنا أن نكون موحّدين وليس مفككين”.

وتجدر الإشارة أن الاتحاد المسيحي الديمقراطي يتألف من حزب ميركل المسيحي الديمقراطي، والحزب الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا، ويشكل الاتحاد مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الائتلاف الحاكم في ألمانيا، والمحسوب على اليمين المحافظ بشكل عام في ألمانيا، وقد عرف عن هذا التيار أنه يدعم وجود ألمانيا في الاتحاد الأوروبي ولكنه يعاني من موجة انتقادات إعلامية بسبب الأزمة العارمة في أوروبا.

وقالت كلاوديا روت في تصريح لبرنامج “مورجن ماجازين” الإخباري بالقناة الأولى الألمانية “إيه أر دي” بداية الأسبوع الماضي، إنها تتوقع من الأحزاب الشعبية الديمقراطية بصفة خاصة، ولاسيما حزب ميركل المسيحي الديمقراطي وشقيقيه الحزب الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا، الابتعاد عن هذه الحركة، لأنها لا تخدم صورة ألمانيا المنفتحة والديمقراطية والحرة، فهي حركة عنصرية خطيرة، وأيضا لأنها تتناقض مع القانون والدستور الاتحادي وتوجهات الحكومة الحالية في تخطي الأزمة الاقتصادية التي حلت بالعالم وخاصة أوروبا الصناعية، والجدير بالذكر أن “بيغيدا” هي الاسم المختصر لـما يسمى “تحالف الأوروبيين الوطنيين ضد أسلمة الغرب”.

ووجهت زعيمة الحزب الألماني المعارض انتقادا للحزب الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا، بصفة خاصة، بسبب تصريحاته الأخيرة بشأن المهاجرين والتي طالب فيها بأن يتحدث المهاجرون اللغة الألمانية في محيط عائلاتهم، وهذا ما اعتبرته كلاوديا روت “عنصرية” تذكرنا بحقب سوداء مرت على ألمانيا، قاصدة بذلك الحقبة النازية على وجه التحديد.

وقد أكدت رئيسة حزب الخضر الألماني أن خطة المحافظين تكمن في ترك المجال لتحرك حر للحركة العنصرية “بيغيدا” دون أن تتحرك المؤسسة الرسمية للدولة لردع هذا التجاوز حتى تتمكن الحركة من التأثير كليا على الرأي العام الألماني وربما الأوروبي بأفكارها المتطرفة.

الخطر الحقيقي يكمن في استغلال الهجومات التي تقع هنا وهناك في أوروبا من قبل عناصر لا تمثل الإسلام

وتابعت روت قائلة: “يعد ذلك بمثابة مثال يمنح أتباع حزب البديل لأجل ألمانيا وأتباع حركة “بيغيدا”، انطباعا بأن التظاهر لفترات طويلة كاف للتأثير في النهاية على الحزب الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا وربما على حزب ميركل المسيحي الديموقراطي أيضا”.

وأضافت كلاوديا روت أن الخطر الحقيقي يكمن في استغلال الهجومات التي تقع هنا وهناك في أوروبا، بين الوقت والآخر، من قبل عناصر “لا تمثل الإسلام والمسلمين، بل هم أفراد يتبعون فكرا متطرفا يرفض الآخر وغير قابل للتعايش معه، ونحن لسنا ملزمين باتباع المنهج نفسه في التفكير حتى نقاوم هذه الظاهرة العالمية والتي لا تخص ألمانيا أو أوروبا على وجه التحديد”.

تجدر الإشارة إلى أنه رغم موجة النقد الموجهة لحركة “بيغيدا” على مستوى الولايات الألمانية، فإن نحو 15 ألف شخص شاركوا في الفترة الأخيرة في المظاهرة التي دعت لها الحركة في مدينة دريسدن.

الثابت أن مثال كلاوديا روت وحزبها، ليس مثالا معزولا أو وحيدا في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، إذ تمثل نسقا سياسيا لا يحمل القضايا الأخيرة المتعلقة بالإرهاب والتطرف أكثر مما تحتمله، ولا يتسرع هذا النسق في الربط بين الإسلام والإرهاب.

كونراد آدم: أحد الشخصيات اليمينية المعروفة في ألمانيا، له توجه محافظ وهو أحد مؤسسي حزب البديل من أجل ألمانيا الذي تأسس ردا على الأزمة الاقتصادية التي هزت أوروبا


شعارات بيغيدا مفهومة والهجمات الأخيرة تثير المخاوف


قال القيادي الديمقراطي المسيحي كونراد آدم، المحسوب على الصقور المحافظين في الائتلاف الحزبي الحاكم في ألمانيا، إن “الجميع يتفهم أسباب نشأة وانتشار حركة بيغيدا بهذه الطريقة وبهذه السرعة، وإنه من منطلق حق الجميع في التظاهر والتعبير كما تنص على ذلك مبادئ قانوننا، فإن الموضوع لا يتعدى مجرد التعبير عن رأي ما، لذلك حصلت حركة بيغيدا على تجمع واسع حولها وعبرت عن نفسها بقوة في الشارع الألماني في الأيام الأخيرة”. وقد اعتبر تصريح كونراد آدم هذا، في صحف المعارضة معاضدة واضحة لحركة بيغيدا.

وفي سياق الحديث عن تطور حركة بيغيدا على ضوء الأحداث الأخيرة التي حصلت في فرنسا والمتمثلة في هجوم الأخوين كواشي وشخص ثالث على مقر صحيفة شارلي إيبدو وسط العاصمة باريس، وكذلك احتجاز رهائن في متجر خاص باليهود شرق باريس، فإن الحركة الرافضة لوجود جاليات أجنبية في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، قد شهدت تطورا كبيرا من ناحية المشاركين في فعالياتها أو المتعاطفين مع أفكارها، وقد كان لذلك أثر على توجهات الأحزاب الحاكمة حاليا في ألمانيا والتي يظهر من خلال تصريحات أبرز الوجوه فيها (من الناحية الحزبية) والتي ركزت على ضرورة ما أسموه “الدفع في اتجاه إصلاحات قانونية عميقة لتخطي عقبة المهاجرين”.

وقد أكدت المصادر أن حركة جديدة مناهضة للهجرة في ألمانيا استغلت الهجوم الدامي الذي نفذه مسلحون على صحيفة في باريس قائلة “إنه يبرز خطر العنف الإسلامي الذي تحذر منه”.

وقد قال كونراد آدم إن “السلطات أو حتى الأحزاب والجمعيات لا يمكن أن تكبح جماح حركة لها كل مبرراتها في أن تتخوف من كثافة وجود الأجانب الذين يشكلون عبئا على أنفسهم وعلى الدولة، وإذا لم يجدوا ما يريدونه يتحولون إلى قنابل موقوتة تمس أمن الناس والمواطنين، فعندما نرى ماذا حدث في فرنسا بذلك الشكل الوحشي نتيقن أن الحوار أساس حل كل المشاكل”.

ولكن في المقابل نددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحكومتها بحركة (وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب) والتي اجتذبت حشدا قياسيا بلغ 18 ألفا في أحدث تجمع لها في دريسدن.

بعد أن اقتحم مسلحان مقر صحيفة أسبوعية ساخرة في باريس معروفة بانتقاد التشدد الإسلامي مما أدى إلى مقتل 12 شخصا بينهم ضابط شرطة في أسوأ هجوم يشنه متشددون داخل فرنسا منذ عقود. وأظهرت لقطات فيديو رجلا خارج المبنى يلوح بسلاحه ويهتف “الله أكبر” وسط دوي للأعيرة النارية.

وكتبت الحركة المعروفة اختصارا باسم “بيغيدا” على صفحتها على فيسبوك قائلة “الإسلاميون الذين تحذر منهم بيغيدا على مدى الاثني عشر أسبوعا الماضية أظهروا في فرنسا اليوم أنهم ليسوا قادرين على (ممارسة) الديمقراطية بل يرون أن العنف والقتل هو الحل”.

وأضافت، “زعماؤنا السياسيون يريدون منا الاعتقاد بأن العكس هو الصحيح”. وتساءلت الحركة قائلة “هل يجب أن تحدث أولا مأساة مثل هذه في ألمانيا؟”.

وقد قال كونراد آدم في سياق هذه التصريحات إنه “فعلا على السياسيين الاستماع إلى رأي حركة تكونت وانتشرت سريعا في ألمانيا، ولا أعتقد أنها انتشرت سريعا هكذا دون سبب، إنما المواطنون الألمان يعتقدون أيضا في الفكرة نفسها”. وقال وزير الداخلية الألماني توماس دو مازيير إن الهجوم في باريس لا شأن له بالإسلام.

الأحزاب والجمعيات لا يمكن أن تكبح جماح حركة لها كل مبرراتها في أن تتخوف من الجماعات التي يعيش ضمنها الإرهابيون

وأضاف، “المتطرفون الإسلاميون والإرهاب الإسلامي يختلفان كلية عن الإسلام.. من المهم للغاية التأكيد على هذا الاختلاف في يوم مثل هذا”.

وبدأت بيغيدا نشاطها كحركة احتجاجية ضد خطط توفير ملاجئ لطالبي اللجوء وأزعجت المؤسسة الحاكمة بتجمعات تكتسب شعبية متزايدة. ويطالب الزعماء السياسيون المواطنين بالابتعاد عن احتجاجاتها التي تقول ميركل إنه ينظمها أشخاص “قلوبهم مليئة بالكراهية”.


الهجمات على شارلي إيبدو قدمت دفعا للحركات المناهضة للهجرة في أوروبا


باريس - من شبه المؤكد على ما يبدو أن يعطي الهجوم على مجلة فرنسية ساخرة نشرت رسوما كاريكاترية اعتبرت مسيئة للإسلام زخما للحركات المناهضة للهجرة الصاعدة في أوروبا وينتج “حربا ثقافية” بشأن مكانة الدين والهوية العرقية في المجتمع.

وكان أول رد فعل في فرنسا على الواقعة التي قتل خلالها 12 شخصا في مقر مجلة شارلي إيبدو على أيدي اثنين من المسلحين الملثمين رددوا شعارات إسلامية هو الدعوة إلى الوحدة الوطنية وحرية الرأي.

ولكن يبدو أن هذا لا يعدو على الأرجح كونه هدنة مؤقتة في بلد يعاني العديد من المصاعب الاقتصادية والبطالة، حيث تعيش في فرنسا أكبر جالية مسلمة في أوروبا وتشهد البلاد جدلا محتدما بشأن الهوية الوطنية ودور الإسلام.

وقال أوليفييه روي، الباحث في العلوم السياسية المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، إن “هذا الهجوم سيؤدي إلى تفاقم “رُهاب” الإسلام المتنامي في فرنسا” وهي ثورة غير مسبوقة في النظرة إلى الآخر، حيث تمتزج هذه الثورة الفكرية بقلق الجماهير بشأن تبني مئات المسلمين الفرنسيين للأفكار المتشددة، وسفرهم للانضمام إلى مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. إذ يخشى مسؤولو الأمن من عودة هؤلاء لشن هجمات عنيفة في فرنسا.

وسارع حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف إلى ربط الهجوم – وهو أسوأ عمل عنيف ذي طابع سياسي تشهده فرنسا منذ عقود – بالهجرة ودعا إلى إجراء استفتاء على العودة للعمل بعقوبة الإعدام، رغم أن الإمام الفرنسي الشهير حسن الشلغومي قال؛ إن النهج السليم للتصدي لما حدث تجاه صحيفة شارلي إيبدو ليس عن طريق إراقة الدم أو الكراهية.

أكبر جالية مسلمة في أوروبا موجودة في فرنسا التي تشهد جدلا محتدما بشأن الهوية الوطنية ودور الإسلام

ومن جهتها قالت زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني مارين لوبان – التي تشير استطلاعات الرأي الجديدة إلى أنها ستتصدر الجولة الأولى إذا أجريت انتخابات رئاسية الآن – إن “الإسلام الأصولي” أعلن الحرب على فرنسا وهذا ما يتطلب تحركا قويا وفعالا.

لكن في الوقت الذي التزمت فيه الحذر وسعت إلى التمييز بين المواطنين المسلمين الذين يتبنون القيم الفرنسية وبين “من يقتلون باسم الإسلام”، فإن والدها جان ماري لوبان مؤسس الحزب ونائبه فلوريان فيليبو كانا أقل حذرا.

حيث قال فيليبو لإذاعة “أر.تي.إل”: “أي شخص يقول إن الإسلام الأصولي لا علاقة له بالهجرة فهو يعيش في كوكب آخر”. وحثت قيادات مسلمة المسلمين على الانضمام إلى الحداد الوطني على القتلى الذين أثارت رسومهم الكاريكاترية للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) غضب الكثير من المسلمين فيما مضى.

وفي مؤشر على الهجمات التي يصفها مسؤولون في السلطة القضائية بأنها تأتي رد فعل على الحدث الباريسي، تم إطلاق الرصاص على مسجد في مدينة لو مان، غرب فرنسا، كما هز انفجار مطعما قرب مسجد ببلدة في وسط فرنسا.

وللإشارة فإن الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولوند كان قد حث الشعب الفرنسي، الشهر الماضي، على تبني الهجرة بوصفها ميزة اقتصادية وثقافية واجتماعية للبلاد، وألا يجعلوا من المهاجرين كبش فداء للمشاكل الاقتصادية.

12