مسلمو أوروبا وحكم البراءة المنقوص

الخميس 2015/11/26

يبدو الدفاع عن مسلمي أوروبا بعد تفجيرات باريس الدموية التي أودت بحياة قرابة 130 شخصاً بعضهم مسلمون، عملاً يائساً خاصة بعد أن قادت التحقيقات المكثفة التي أجرتها السلطات الفرنسية بتعاون وتنسيق مع دول عديدة أقربها بلجيكا، إلى أن غالبية المتهمين، واستطرادا الجناة، هم من مجاهدي أوروبا الذين تجولوا بين حركات جهادية متنوعة قبل أن يقرروا أو يُؤمروا بضرب بلدانهم التي يحملون جنسيتها.

ولعل الأنظار التي اتجهت فور سماع أخبار الهجوم الباريسي إلى المسلمين ليست بريئة كلياً، لكنها بالمقابل ليست ملومة، لأن السمعة العالمية التي باتت تميز المسلمين حالياً هي الاٍرهاب، ولا يمكن التنصل من هذا الاتهام بسهولة حتى يتغير المناخ العام والمزاج العالمي الذي صنف المسلمين ما بين إرهابيين جهاديين وبين معتدلين مسالمين، فهل يمكن حقاً الدفاع عن المسلمين وتبرئتهم؟ وهل هم متهمون مذنبون أم ضحايا سياسات ومصالح دول؟

قد يمكن النظر إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 بأنها البداية الحقيقية للصدام بين المسلمين بشكل عام، وبين سائر العالم، دون أن نتوقف لنرصد أقوال بعض المطلعين أو المسالمين الذين لا يرون في الإسلام تهديداً للسلام العالمي، وقد توالت بعدها الأحداث “الإرهابية” التي تبنتها جماعات إسلامية معينة على صلة بتنظيم القاعدة، أو مستقلة عنه، وتفاخرت بها، بل واعتبرتها بداية لاستعادة عصر الأمة الإسلامية التي كانت تسود العالم، وعند هذه النقطة يبدو أن الكثير من المسلمين وهم يصغون إلى أصوات الدعاة المنتشرين في أصقاع العالم يعزفون على وتر عودة أمجاد الأمة وتاريخها المشرف حين كانت تسود العالم، وهم، أي الدعاة، في غالبيتهم لا يقدمون أدوات علمية أو منطقية بل ينشرون الفكر الجهادي لأولئك الذين لا يفقهون أصلاً اللغة العربية، ولا يعلمون معاني القرآن وهم يتلقون وجبة جاهزة من التحريض، ويجدون أنفسهم غير قادرين على تصور أنفسهم أقلية في المجتمعات التي وجدوا أنفسهم مجبرين على الرحيل إليها بعد أن ضاقت عليهم بلدانهم.

ساهمت الحملات التي يقودها اليمين المتطرف في أوروبا، والذي يسيطر بعضه على الكثير من وسائل الإعلام في ترسيخ قناعة لدى الشارع أن المسلم الذي يرونه أمامهم ليس سوى قنبلة موقوتة، وعليهم أن يأخذوا حذرهم منه، وقد ضيّق هذا الأمر على المسلمين وجعلهم يعيشون في مجتمعات معزولة، ورغم تبوأ بعضهم لمناصب وزارية أو دخول البرلمانات في بعض الدول إلا أنه ومع أول تهديد أو عمل إرهابي تتعرض له تلك الدولة يجدون أنفسهم في موضع المتهم القابل للإدانة إذا صدر عنه رد ما يشير، ولو بغير قصد، إلى أنه مع ما يحدث، أو أنه لم يكن قادراً على توجيه اللوم كما يجب.

وإذا كانت فرنسا التي فتحت أبوابها مبكراً لاستقبال المهاجرين المسلمين وبادرت إلى منحهم حق افتتاح المساجد ومعاهد تدريس الديانة الإسلامية قد حققت نوعاً من الاندماج، إلا أنه يمكن اكتشاف أن المسلمين الفرنسيين وعند أي حدث مهما كان صغيراً يتم تجريدهم من فرنسيتهم ويصبحون مسلمين فقط. يقول مواطن فرنسي من أصول جزائرية يتحدث لغة عربية غير مفهومة، إنه أمضى حياته في فرنسا، وزار الجزائر مثلما يفعل أي غريب، لقد عمل في فرنسا ووصل إلى سن التقاعد فيها، لكنه خلال السنوات الأخيرة بدأ يحس بأنه غريب. لا يدري لماذا بدأ البعض يتصرفون معه بتلك الطريقة.

ثمة خلل لا بد من الاعتراف به، بطبيعة الحال فإن أولئك المهاجرين الجهاديين لا يعبرون عن حال عموم المسلمين، لكن من يستطيع دفع التهمة عن أناس يقومون بالشعائر الدينية نفسها، ويحملون الأسماء نفسها، وهم غاضبون لأنهم باتوا لا يجدون عملاً بسبب لحاهم الطويلة، ولأن نساءهم بدأن يواجهن مشاكل جمة بسبب الحجاب الذي يضعه، هن بكل بساطة صرن منبوذات في سوق العمل، منذ أن أقرت فرنسا قانوناً يمنع الحجاب بشكل رسمي، هذا الأمر يولد شعوراً بالاضطهاد، ولذلك يبدو أن التمرد على هذه الحالة قد يقود بعض الغاضبين للبحث عن ملاذ آمن لحالة التشظي التي يعيشونها، وحالة انعدام الهوية التي بدأت تطفو على السطح، وقد فتحت التنظيمات الجهادية الباب على مصراعيه لهؤلاء كي ينتقموا، ونشط الدعاة، خاصة أولئك المسوقين لتنظيم داعش، في تصوير الأمر وكأن أمجاد أمة الإسلام ستعود، ليعود هؤلاء المنبوذون ويصيروا سادة يحكمون العالم بدل حالة التسكع والدونية التي يشعرون بها.

ولهذا فإن استخدام تسمية الدولة الإسلامية في وصف تنظيم داعش من قبل العديد من وسائل الإعلام يربط هذه الدولة بتلك الدولة التي اندثرت قبل قرون، ويدغدغ حلماً ساذجاً ليس ثمة عوامل لتحقيقه، ورغم معرفة أولئك المتلقين والذين يصغون إلى ما يقوله الدعاة، أن زعيم تنظيم داعش ليس أبا بكر الصديق أو أحد الخلفاء، إلا أنهم لا يمانعون أن يرددوا عبارتهم الأثيرة اللهم انصر الإسلام على الكافرين، وهم يرمقون مواطنيهم المختلفين عنهم شكلاً ومضمونا، فهل يمكننا تبرئة الجميع حقاً؟

كاتب سوري

9