مسلمو الكاميرون يرتفعون على طوائفهم ويتوحدون ضد بوكو حرام

الخميس 2015/02/19
رفض تطرف بوكو حرام موقف تجمع عليه كل طوائف ومكونات المنطقة الأفريقية

دوالا (الكاميرون) - على وقع ما يجري من انتهاكات في المنطقة، يبدي سكان العاصمة الاقتصادية الكاميرونية دوالا من السنّة والشيعة، موقفا موحّدا من تنظيم “بوكو حرام”. فمجرد ذكر اسم المجموعة النيجيرية المسلّحة، تثار مشاعر الاحتقان والاستياء لدى الطائفتين اللتين تضمّان إجمالا بضعة عشرات الآلاف في دوالا، حسب تقديرات غير رسمية.

سنّة وشيعة تتعالى أصواتهم منسجمة متوحّدة لتنعت أفراد الطائفة الجهادية بـ “المجانين” و”المختلّين عقليا”، و”العاجزين” و”الجبناء”.. هكذا اتّفقوا على وصف تلك العناصر التي اجتثّت أمنهم وصادرت سلامتهم، حسب شهادات متفرّقة لبعض سكان هذه المنطقة.

وفي صباح كاميروني يحمل معه أخبارا تتشابه في قتامتها حد التماهي مع ما مضى من الأيام في الآونة الأخيرة، تستعرض المذيعة بالإذاعة الدولية الكاميرونية بالعاصمة “ياوندي”، حصيلة الهجمات التي جدت بكل من النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون، وعلى بعد ألف ميل عن استوديو البث، وتحديدا في حيّ “نيو بال” بـ “دوالا” على الساحل الكاميروني، يتابع محمد ورفاقه الثلاثة البث ببالغ الاهتمام بعد أن تحولت حصة الإنصات إلى الأخبار، إلى ما يشبه العادة في هذا الحي الذي يضم أكبر طائفة من المسلمين في العاصمة الاقتصادية للبلاد.

وما من شيء يدعو محمد إلى هذه المواظبة على ما تبثه مختلف وسائل الإعلام من أخبار سوى القلق الذي يختلج في صدره على مصير والديه وبعض أفراد من أسرته الذين يعيشون في منطقة أقصى الشمال الكاميروني المحاذية لنيجيريا معقل جماعة “بوكو حرام” المسلّحة. وبفرنسية ركيكة، يقول محمد “نتابع الأخبار بشكل يومي على جميع التلفزيونات والإذاعات الوطنية والدولية، فنحن نرغب في معرفة جميع ما يجري هناك (أقصى الشمال)”.

ويضيف “لي عمّ يعيش في مدينة فوتوكول (الواقعة على بعد كيلومتر واحد من نيجيريا)”، يتابع محمد بنبرة يغلب عليها الأسى، “لقد غادر القرية صحبة زوجتيه وأبنائه تاركا وراءه بيته والأراضي التي يمتلكها”.

محمد لا يشكّل حالة منعزلة عما يعيشه بضعة عشرات الآلاف من المسلمين السنّة في دوالا (حسب أرقام رسمية عن المسؤولين عن الطائفة المسلمة بالمدينة)، “وساليو” أحدهم، حيث قال، وهو في طريق العودة من أكبر مساجد المدينة، أين كان يؤدّي صلاة الجمعة، بصوت متقطّع خنقته العبرات، “لقد فقدت عائلي الذي تكفّل بتربيتي بعد وفاة والدي في عام 1998، في الهجمات الأخيرة على مدينة فوتوكول”.

ثم أردف في عصبية واضحة، كمن يحدّث نفسه “يقولون إن عناصر بوكو حرام من المسلمين. الأمر ليس صحيحا على الإطلاق، فالإسلام دين سلام وتسامح ولم يأمر أحدا بقتل إخوانه. لماذا يقوم هؤلاء بعمليات القتل؟ لماذا يهاجموننا؟ لماذا يريدون قتل الكاميرونيين؟”، غير أنّ جملة تساؤلاته ظلت دون جواب يشفي غليل من فقد أقرب الناس إليه.

الإسلام في حقيقته يندد بهذه الأعمال الإرهابية. الإسلام دين يدعو إلى العلم وإلى المعرفة ولم يكن أبدا رديفا للمجازر

الواضح هو أنّ مسلمي دوالا بسنتهم وشيعتهم، لم يعد بوسعهم سماع كلمة “بوكو حرام”، دون أن يبدوا مشاعر الاستياء والاشمئزاز، والرأي الشائع بين الجميع هو أن “بوكو حرام شرذمة من المجانين والأشرار”.

عبدالكامل إمام مسجد الأقلية الشيعية الوحيد في مدينة دوالا التي تضم بضعة آلاف من أتباع هذا المذهب، ذهب في هذا الاتجاه عندما قال “الإسلام، في حقيقته، كما في جوهره يندد بهذه الأعمال الإرهابية. الإسلام دين يدعو إلى العلم والمعرفة. لا تضارب بين الدين والعلم، ولا بين الدين والعقل. الإسلام لم يكن أبدا رديفا للمجازر”. ومضى الإمام يقدم لمحة عن سماحة الدين الإسلامي، تجسدت في أبهى مظاهرها في كيفية التعامل مع الأضحية في العيد المرتبط بها “لقد أمر الرسول بحسن معاملة الأضحية بإطعامها واستعمال سكين مناسبة كي تجري عملية الذبح بأقلّ ما يمكن من الآلام. هنا الأمر يتعلق بحيوان، ولكن حين نرى ما يقوم به هؤلاء الإرهابيون مع بشر مثلهم، نفهم أنه ما من دين على الأرض يقبل بهكذا أعمال”.

الموقف ذاته تبنّاه إبراهيم مبارك مبومبو رئيس “الاتحاد الكاميروني الإسلامي”، الذي يضم ممثلين للسنة والشيعة حين شدد على أنّ “عناصر بوكو حرام هم أبعد ما يكونون عن المسلمين الذين يتميزون بكونهم “سفراء للنوايا الحسنة” حيثما حلوا.

هو نفس القلق الذي يشعر به جميع المسلمين في مدينة دوالا حيال هذا الخلط الجائر بين الإسلام ومن ينسبون أنفسهم إليه. الحاج أبوبكر أحد أئمة دوالا ممن يعتدّ برأيهم داخل الأوساط المسلمة بالمدينة، عقّب على الجزئية الأخيرة بقوله “أشعر بأسف حين أستمع لبعض المثقفين الكاميرونيين يقولون بأن بوكو حرام مسلمون. لقد أمرنا الله بأن نحب بعضنا البعض من أجل بناء عالم أفضل، وليس العكس”.

ويقيم الحاج أبوبكر مقارنة بين “بوكو حرام” وبعض الكنائس التي تدعو إلى العنف في وضح النهار، من أجل البرهنة على أنّ المتطرّفين يوجدون في كلّ مكان، مؤكدا بالقول “ينبغي علينا أن نحارب هذه الطائفة”.

ولتفادي تسلل أفكار “بوكو حرام” الشاذة إلى داخل الطائفتين المسلمة والمسيحية، عمد القائمون على الشأن الديني في المدينة إلى تنظيم حملات توعوية وعقد اجتماعات مع شباب البلدة داخل الأحياء ذاتها، فيما حمّل الأئمة خطبهم بما يدفع بالمصلّين نحو خانة التسامح والاعتدال.

وعن ذلك، أضاف عبد الكامل قائلا “أطلب من المصلّين أن يتميّزوا عن تلك الطائفة، وأن يتحلّوا بقيم الإسلام السمحة كي يعطوا المثال للعالم أجمع، وقريبا سنقوم بتنظيم مؤتمرات في الغرض”.

13