مسلمو بانغي يحرسون الكنيسة والاختلاف الديني لا يفسد للوطن قضية

الخميس 2014/09/04
الوعي بحقيقة الصراع السياسي في أفريقيا الوسطى يمكن أن يقلص من التوترات الدينية ليسير المسلم جنب المسيحي

بانغي - بقدر ما تتواتر النزاعات العرقية والطائفية والدينية في العالم، تبرز أمثلة ناصعة عن إمكانية العيش المشترك وتجاوز الاختلافات العرقية أو الطائفية أو الدينية.

عندما يوقن البعضُ أن الوطن، بوسعه أن يحتضن الجميع، بصرف النظر عن أديانهم، وذلك ممكن التحقق. في أفريقيا الوسطى حيث يستعر نزاع ديني عرقي (بين مسلمين ومسيحيين) منذ سنوات، تبرز من حين إلى آخر بعض المظاهر الدالّة على أن التعايش ممكن وسط هذا الجحيم، وأن ما يدور من نزاع وصراع ليس ناتجا عن الاختلافات الدينية، بقدر ما غذته، وتغذيه، دواع سياسية متداخلة.

كنيسة “سانت ماتياس” الكاثوليكية المنتصبة في حي تقطنه أغلبية مسلمة ببانغي عاصمة أفريقيا الوسطى، استطاعت الإفلات من حوادث العنف المتواترة في المدينة بسبب النزاع الطائفي المحتدم في البلاد منذ فترة.

فرغم أنّ الكنيسة لم تعد تستقبل زوّارها، كما كان عليه الحال قبل اندلاع الأزمة، إلاّ أنّ شباب الحي من المسلمين تجنّدوا- تلقائيا- لحماية “بيت الله” من أي اعتداء محتمل، أو محاولات للنهب والتخريب، وفق شهادات لمسلمين من الحي.

هو مشهد يختلف عن الصورة القاتمة التي تدور في الأذهان عن أفريقيا الوسطى منذ أكثر من سنة، وتحديدا منذ مارس 2013، والتي تبدو فيها الطائفتان المسيحية والمسلمة تكنان عداوة متبادلة.

عمر ويحي وشبان الحي الآخرون يتناوبون على حماية كنيسة “سانت ماتياس” الفريدة من نوعها رغم بساطتها. الكنيسة شيدت منذ 50 عاما وهي مغطاة بسقف أخضر شاحب فيما تزين جدرانها البيضاء لوحة “العشاء الأخير” للمسيح.

بتعزيز المواطنة، يمكن تنظيم قداس الأحد في كنيسة سانت ماتياس ورفع الآذان في مسجد علي بابولو

جناحها الصغير المخصص للوحات وتماثيل مريم العذراء يبدو وكأنه لم يمسه شيء من أتون الحرب التي احتدمت في البلاد، وحدها الأسلاك الشائكة تشي بهول ما ارتكب من مجازر على بعد بضع كيلومترات من المكان.

في فناء المبنى، تنتشر مقاعد كانت مخصصة لقداس الأحد، خالية إلا من نور ساطع فيها تهب عليه رياح باردة، فيما ذبلت أوراق النباتات الثلاث التي كانت تزين الأرض تحت تمثال للمسيح، منذ هجر المصلون المكان.

عمر محمد، أحد شبان الحي يقول في إصرار إن “هذا المكان لا يجب أن يمس بسوء أبدا، نسهر على أمنه، هو بيت من بيوت الله، والإسلام يمنع تدمير الأماكن المقدسة”.

ويضيف محمد: “مسيحيو الكيلومتر 5 هم إخواننا، لم يهاجمونا أبدا، المسؤولون عن الانتهاكات هم عناصر آنتي بالاكا (ميليشيا مسيحية) الذين جاؤوا من أحياء أخرى، هم من دمروا البيوت وارتكبوا المجازر في حقنا”.

باتريك، أحد مسيحيي الحي، الذين لم يغادروه أبدا، يعقب على كلام محمد قائلا: “الطائفتان (المسلمة والمسيحية) متوحدتان في السعي نحو السلم، وكذلك في الإيمان”.

الرجل الذي يعيش في الكيلومتر 5 منذ 54 عاما يؤكد أنه طالما اعتبر المسلمين إخوة له: “لا فرق بيننا، ولم يحدث أبدا أن أساء إليّ مسلم، أو ارتكب خطأ في حقي، بالعكس، المسلمون يحموننا ويحمون كنيستنا”.

يحي البالغ من العمر 24 عاما يعبر من جهته عن غضبه من “تدمير المساجد على يد آنتي بالاكا” ولكنه في الآن ذاته، يدرك أن الصراع “لن يؤثر في العلاقات الأخوية التي تجمع بين مسلمي ومسيحيي الكيلومتر 5”

من جانبه، أقر مطران بانغي “ديودوني نزابالينغا” بأن هذه الحماية كانت على جانب كبير من الأهمية قائلا “تعرض الدير للنهب منذ بضعة أشهر، ولكن الكنيسة لم يتم التعرض لها بسوء بفضل الحراسة التي أمنها المسلمون”.

وأضاف المطران: “غادر المسيحيون المكان خشية التعرض لهجمات ولكنهم حاليا مستعدون للعودة، البعض منهم ممن لجأوا إلى موقع قرب مطار بانغي، عادوا ويرغبون في الذهاب إلى الكنيسة”.

الطائفتان المسلمة والمسيحية متوحدتان في السعي نحو السلم، وكذلك في الإيمان

المطران أبى إلا أن يختم كلامه بنفحة أمل عندما قال إنه “مقتنع بأن الأمور ستتحسن بسرعة، سيكون بالإمكان تنظيم قداس الأحد في سانت ماتياس”.

يأمل مسلمو ومسيحيو الكيلومتر 5 في أن ترن أجراس “سانت ماتياس” من جديد، جنبا إلى جنب مع مسجد “علي بابولو” الذي يصدح بالآذان مناديا للصلاة.

الأزمة في أفريقيا الوسطى بدأت سياسية صرفة وأفضت إلى تجليات طائفية دينية غاية في البشاعة والدموية. ففي مارس 2013 استولى تحالف “سيليكا” (المؤلف في غالبيته من المسلمين) على السلطة، بعد الإطاحة بالرئيس فرانسوا بوزيزي الذي ينتمي إلى الأغلبية المسيحية في البلاد، ومذاك اندلع صراع مرير أدى إلى تشريد ربع سكان أفريقيا الوسطى. ولم تكن استقالة رئيس الوزراء ميشال يوتوديا (المسلم) وخروجه من تحالف سيليكا كافيين لوقف نزيف الدماء وأخفق في إيقاف جماعته المتمردة، ورغم الإطاحة بمتمردي السيليكا في شهر يناير 2014 إلا أن الجماعة مازالت تسيطر على أجزاء واسعة من شمال البلاد.

وتأسست ميليشيات مسيحية عديدة أشهرها “آنتي بالاكا” تورطت بدورها في أعمال عنف انتقامية مروعة ضد المسلمين حتى من غير المتورطين في الصراع، واستهدفت عديد المساجد والمعالم الإسلامية. واستحال الأمر في البلاد إلى قتل يومي على الهوية.

المبادرة التي أقدم على تنفيذها شباب مسلمون في بانغي، والتي تتمثل في تناوبهم على حراسة كنيسة “سانت ماتياس” الصغيرة في العاصمة، مثال ناصع على قدرة البعض على تجاوز الاختلافات الدينية والعرقية والطائفية، والارتفاع على الصراع انطلاقا من الإيمان بأن الاختلافات الدينية لا تفسد الانتماء إلى وطن قادر على احتواء الجميع. وما صرح به الشاب المسلم أو المسيحي (على حد السواء) بأن الخلاف سياسي والعنف ينفذ بأياد ميليشياوية تتصارع على السلطة والنفوذ، لكن الضحايا من المدنيين من الديانتين، وفي اتفاق الشباب المسيحي والمسلم على أن الضالعين في العنف من هذه الجهة أو تلك، هم ميليشيات متطرفة، سواء كانت مسيحية أو إسلامية، وسواء اتخذت اسم السيليكا أو آنتي بالاكا، وعي مواطني متقدم، كاف لتبديد جزء من مدار الرعب السائد منذ أكثر من عام.

والثابت أنه بتعزيز الانتماء إلى الوطن وتجاوز الاختلافات الدينية، يمكن “تنظيم قداس الأحد في كنيسة سانت ماتياس” بالتزامن مع رفع الآذان في مسجد “علي بابولو” المجاور.

13