مسلم ومسيحي

ذهب الإخوان وظل الفكر ينخر في عقول الأجيال القادمة، رفقا بأبنائنا، علموهم أن الآخر ليس وحشا وأن من يختلف معنا ليس بالضرورة أن يكون على خطأ.
الاثنين 2018/04/09
نسيج وطني شديد التماسك والصلابة

ظاهرة “مسلم ومسيحي” جديدة تماما على المجتمع المصري الذي ظل يباهي لعقود طويلة بتعايش عنصري الأمة على أرضه في نسيج وطني شديد التماسك والصلابة، ومنح ترابطا وتمتينا لعلاقات هذا الشعب بكافة عناصره التي كانت يوما ما يهودا ومسيحين ومسلمين يعيشون على أرضها دون تباغض منشأه الديانة، النعرات الطائفية والمذهبية لم تكن في المشهد بالأساس، وشهد تاريخ البلاد قصص عشق بين أبناء هذه الديانات الثلاث كانت مسار جدل الجميع، ومنها ما توج بالزواج وأثمر أطفالا كانوا نتاجا لبيئة متسامحة تستطيع التوسع بما رحبت للجميع واستيعاب الآخر ما كان لذلك سبيلا.

رحل الإخوان المتأسلمون عن حكم مصر، حقيقة لا يمكن إنكارها، ذهب من نصبوا أنفسهم رعاة ومسؤولين عن نيات البشر وقلوبهم، ولكن بقي من أذيالهم الفكر الأبوي السلطوي في تفسير نوايا من يخالفهم، ناهيك عن مرض الأفكار السلفية المتغلغلة في أعماق هذه الأرض الطيبة، ومازالت دعوات التكفير تنخر في قلب المجتمع وتنال من تماسكه.

تحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم بدعة جديدة يبثها أصحاب اللحى المستعارة، ناهيك عن جهنم التي تنتظر الجميع بلا استثناء، تتطاير ألسنة اللهب منها، وكأنما الله تعالى خلقنا ليملأ بنا جهنم ويشوي لحومنا لأننا لم نستمع لدعواتهم، يتحدثون بلسان الخالق سبحانه وتعالى ويلبسون ثوب العفة والطهر، وتظل الجنة تفتح ذراعيها لهم وحدهم بعقد احتكار.

أهنئ أصدقائي وصديقاتي المسيحين بلا غضاضة، أبعث برسائل تهنئة وأقدم أطباق الحلوى كتلك التي أتلاقاها منهم في شهر رمضان، والعيدين، لا أشعر مطلقا بهذا الذنب الذي يتحدثون عنه في تهنئتهم والذي أثقلت به قلبي صديقة مسلمة “يمينية متشددة”، حتى كرهت الحديث معها كلية، فرضيتها في دخول النار لمجرد التهنئة بالعيد، ومشاركة الفرح قاتلة.

الغريب أن هذه السموم أصبحت تصب صبا في آذان أطفال في عمر البراءة في كل مكان، بداية من دور الحضانة والمدرسة والنوادي الرياضية، مرورا بالشارع والبيت نفسه، أفكار لم تتخلخل مع خلع الإخوان  المسلمين عن الحكم، ولا تقتصر على مدارس يملكونها إدارة وتمويلا، لكنها تتخطى كافة الحواجز، إذا ما أدرنا لها ظهورنا فاجأتنا في الوجه، وإن أغلقنا في وجهها ألف باب طلت علينا من شبابيك تظل مواربة لكي نتنفس فيدخل إلينا هواء فاسد يزيد فساده تصديق الأطفال له دون وعي، فيكبرون بقناعات لا يمكن خلعها بعد تجذرها.

أعطى اصطحاب زوجي الوسيم، عسلي العينين، أصفر الشارب، للطفلين من مدرسة الراهبات التي التحقا بها منذ فترة الحضانة، فرصة سانحة لطاقم المدرسات للتعامل مع الولدين كمسيحيين بأريحية شديدة إضافة إلى اسميهمها غير محددي المعالم؛ هل هما مسلمان أم مسيحيان؟ وأضاف اسم ابني الأكبر مزيدا من الراحة ومساحة شاسعة، كونه يوسف!

بعد إسبوعين من بداية الدراسة ذهبت لاصطحابهما فإذا بالحارس يرفض إعطائي الطفلين، أثار حجاب رأسي شكه! ضحكت وطلبت أن يحضرهما، جاءا يهرولان وبابتسامة عريضة يناديان “ماما”، حضرت مديرة المدرسة وأحضرت معلمة الدين المسيحي وفي يديها ملفان للولدين، معتذرة عن خطأ تدريسهما لحصص الدين المسيحي، فضحكت بدوري متساءلة أليس الله محبة لنا جميعا أم قلت للطفلين معلومة تخالف ذلك؟ لم تخفف ضحكتي بصوت خفيض من حدة تحفظها وقلقها وهي تجيب: نعم الله محبة.

أنهيت الأمر بأنني أؤمن بأن الله محبة وجميع الأديان لا تدعو إلى غير المحبة أما باقي التفاصيل فلا يحاسبنا عليها غير الله سبحانه وتعالى، فخف احتقان الموقف شيئا فشيئا وابتسمنا جميعا.

ظل ابناي يدرسان بمدرسة الراهبات وتقوم على تعليمهما وتولي بعضا من مسؤولية تهذيبهما راهبات مسيحيات ولا أجد في ذلك غضاضة ولم يجدن هن أيضا، بل صارت لي صديقات داخل هذا الوسط، نتبادل الزيارات المنزلية والتهنئة بالأعياد وكافة المناسبات قبل أن تخرج فتاوى متشددة تحرم علينا الهواء والماء والتزاور، تحرمنا من التعبير الراقي عن مشاعرنا تجاه الآخر شريك الوطن والطفولة، فتاوى تبث السموم في آذان الجميع بلا تمييز.

مازلت أرسل تهاني ودعوات بالسعادة في عيد القيامة المجيد المتزامن مع أعياد الربيع “شم النسيم” لأخواتي المسيحيات، وأستمتع بكوني امرأة تتصالح مع الجميع وذاتها قبلا.

ذهب الإخوان وظل الفكر ينخر في عقول الأجيال القادمة، رفقا بأبنائنا، علموهم أن الآخر ليس وحشا وأن من يختلف معنا ليس بالضرورة أن يكون على خطأ، علموهم أن الله محبة وسلام في كل الأديان، وأن الدين لله والوطن للجميع مبدأ وليس لافتة خلف مسؤول حكومي، يراها بعينيه ويقرأها حفظا، وقلبه منكر لها، فنحن من يعمل على ترسيخ ثقافة الفكر التمييزي تجاه الآخر المختلف وشيطنته.

21