مسودة الدستور تخرج الجيش الجزائري من عزلته العسكرية

استسلام لضغوط خارجية أم تحول في الاستراتيجية العسكرية والأمنية.
السبت 2020/05/09
الخروج من العزلة

الجزائر - كشفت مسودة الدستور، التي وزعتها الرئاسة الجزائرية على الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، عن مساعٍ لإخراج الجيش الجزائري من عزلته العسكرية.

وسيصبح بإمكان الجيش الجزائري أن يغادر الحدود للمشاركة في مهمة ما بموجب التعديلات المقترحة في مسودة الدستور، وهو ما يعتبر خطوة مفاجئة للرأي العام وللطبقة السياسية التي تعودت على خطاب مغاير عن مهام الجيش طيلة العقود الماضية.

وبموجب التعديلات المذكورة يصبح بإمكان رئيس الجمهورية، بعد استشارة برلمانية، الإقرار بمشاركة جيش بلاده في مهمة ما خارج الحدود الإقليمية، وهو ما يعد تحولا كبيرا في مسار مقدسات السياسة العسكرية والدبلوماسية الجزائرية، التي ظلت تمتنع عن إخراج جيشها إلى خارج حدودها، بدعوى الامتثال للنصوص الدستورية.

وتعرضت الجزائر إلى ضغوط شديدة خلال السنوات الماضية، من طرف قوى إقليمية، من أجل إشراك جيشها في مهام أمنية وعسكرية في المنطقة، خاصة من قبل فرنسا والولايات المتحدة اللتين طالما طالبتا الجزائر بتعبئة جيشها ضمن نشاط الجيوش الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة.

وكلف هذا “المقدس الجزائري” البلاد خسائر دبلوماسية في العديد من الملفات الإقليمية، لاسيما في الحرب التي شنتها فرنسا على التنظيمات الجهادية في مالي، انطلاقا من باريس ومن قواعد قريبة، بينما تتقاسم الجزائر حدودا برية مع باماكو.

وكما غابت الجزائر عن قوات “برخان” منذ عام 2012، تَغِيب أيضا عن القوة الأفريقية لمحاربة الإرهاب، المشكّلة من خمسة جيوش أفريقية استفردت بملف الأمن في القارة خاصة في الساحل الصحراوي بمشاركة فرنسية، بينما وجدت الجزائر نفسها مهمشة رغم الجهود والإمكانيات المادية التي سخرتها، وذلك بسبب تمسكها برفض مغادرة جيشها لحدوده الإقليمية احتراما لدستور البلاد.

وتطرح هذه الخطوة استفهامات بشأن دوافعها حيث يفسرها البعض بالاستسلام لضغوط خارجية لم يعد بإمكان الدبلوماسية الجزائرية تحمّل أعبائها، في حين يرى آخرون أنها توحي بتحول في الإستراتيجية العسكرية والأمنية لقادة البلاد، في ظل تنامي المخاطر الأمنية الجاثمة على الحدود الشرقية والجنوبية مع ليبيا ومالي، وحتى تغيير مفهوم الأمن الذي يبدأ في نظر البعض من بؤر التوتر ومن خارج الحدود وليس انتظار الأخطار ودفعها من داخل الحدود.

تغييرات دستورية: ضرورة وطنية أم دبلوماسية
تغييرات دستورية: ضرورة وطنية أم دبلوماسية 

وإلى حدّ الآن لم تثر المسألة ردود فعل لافتة، ربما بسبب الانشغال بوباء كورونا، لكن مناعة الجيش ستبقى محل تساؤل قياسا بقدرة قيادة البلاد على تحصينه من الضغوط الدولية، التي تريد استغلال جيوش المنطقة في حروب بالوكالة.

ويبدو أن السلطة الجديدة في الجزائر تريد استغلال المقترحات المثيرة للجدل كمستقبل المكون الأمازيغي في الهوية الوطنية ومنصب نائب الرئيس وسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين، لتمرير مقترح رفع الحصار عن الجيش في صمت.

واقترحت المسودة المعروضة للنقاش اللغة الأمازيغية في خانة البنود الصماء، المحيدة عن التداول أو التعديل مرة أخرى، في خطوة فاجأت ما بات يوصف بـ “التيار النوفمبري الباديسي” الداعم للسلطة الجديدة والمناهض للمكون الأمازيغي، ولو أن الكثير يعتبرون المسعى رسالة غزل من السلطة لمنطقة القبائل بغية استعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد، إدراكا منها أنها المحرك الأساسي للحراك الشعبي والمعارض الأزلي للسلطات المتعاقبة على البلاد.

وفي أول ردود الفعل المسجلة على المكسب الجديد للهوية الأمازيغية في مسودة الدستور الجديد، عبر الناشط في التيار النوفمبري الباديسي نورالدين ختال، عن امتعاضه الشديد مما ألمح إليه بكونه “خيانة” للخط السياسي الذي وضعه القائد الراحل لأركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح.

ودعا، في تسجيل صوتي بثته صفحته الرسمية، أنصار التيار الباديسي النوفمبري إلى التعبئة والتحشيد من أجل إجهاض دستور الرئيس الجديد للبلاد، وألمح إلى “خيانة” السلطة الجديدة لهم، رغم دورهم الكبير في تمرير الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر الماضي، وتفويت الفرصة على معارضيها من فعاليات الحراك الشعبي.

وتعول السلطة كثيرا على الوثيقة الدستورية من أجل استقطاب الشارع وكسب تفاعل الرأي العام، بهدف تحويل الأنظار عن الحراك الشعبي الذي من المنتظر أن يعود إثر انتهاء الحالة الصحية الاستثنائية في البلاد، إلى جدل سياسي يضفي شرعية على نظام الرئيس عبدالمجيد تبون، فضلا عن المناورة بإحداث اختلال بين الحراك الشعبي ومنطقة القبائل، بمنح مكاسب جديدة للهوية الأمازيغية.

1