مسيحيات في مصر ينتفضن على قوانين الإرث الإسلامية

انطلاق حملة تحت عنوان "مسيحيات في البطاقة مسلمات في الإرث"، تسلط الضوء على مشكلة الإرث وتطرح تجارب معاناة المسيحيات للضغط على الكنائس للإسراع بإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين.
الاثنين 2019/11/18
هل ينجح الدعاء في نيل المطالب

يتمتع الأقباط في مصر بحقوق متساوية مع المسلمين في كافة المجالات، باستثناء قانون الميراث الخاص بالنساء القبطيات، اللاتي تنطبق عليهن قوانين الميراث الإسلامية. وهو ما أثار حفيظة محامية مصرية ودفعها لإطلاق مبادرة للحقوق الشخصية ما زالت فعالياتها مستمرة تحت عنوان “مسيحيات في البطاقة.. مسلمات في الإرث”، لتسليط الضوء على مشكلة الإرث ومواجهتها والتصدي لها من أجل إقرار قوانين تمنح المساواة التامة في الميراث بين الرجل والمرأة.

القاهرة - تشهد أروقة بعض المحاكم المصرية معاناة الآلاف من المسيحيات المحرومات من الحق في الاحتكام إلى مبادئ شريعتهن بخصوص توزيع أنصبة الإرث، وبات تطبيق الشريعة الإسلامية في توزيع الميراث “للذكر مثل حظ الأنثيين” أمرا مفروضا عليهن يطبقه القضاء بشكل تلقائي بالمخالفة لنص المادة الثالثة من دستور 2014 وتقول إن “مبادئ شرائع أتباع الديانات السماوية المصدر الرئيسي للتشريع في أمور أحوالهم الشخصية واختيار قياداتهم”.

أطلقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حملة ما زالت فعالياتها مستمرة حتى الآن تحت عنوان “مسيحيات في البطاقة مسلمات في الإرث”، لتسليط الضوء على مشكلة الإرث من خلال استقبال وطرح تجارب للمعاناة التي تمر بها المسيحيات للضغط على الكنائس للإسراع بإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين، والذي لم يتم الاتفاق عليه حتى الآن وتحديد مواد قاطعة تفيد المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.

ارتبطت الحملة بقضية هدى نصرالله التي خرجت بمشكلتها من الإطار الشخصي إلى الفضاء العام، ولم تجد لها حلا بسبب أن قوانين البلاد تفرض على الإناث قوانين الميراث الإسلامية.

وقفت هدى نصرالله، وهي مصرية مسيحية منذ وفاة والدها في ديسمبر الماضي، أمام ثلاثة قضاة مختلفين للمطالبة بحصة كاملة من الممتلكات التي تركها والدها لها ولشقيقيها.

ارتكنت هدى في صياغة إعلام الوراثة المُطالب بالاحتكام للشريعة المسيحية إلى قواعد الكنيسة التي تدعو إلى المساواة في الميراث، فضلا عن حكم صادر لمحكمة استئناف القاهرة في سنة 2016 لصالح امرأة قبطية تحدت قوانين الميراث الإسلامية وتم تطبيق مبادئ الشريعة المسيحية في توزيع الإرث.

لم تكتفِ بالطلب المدعوم دستوريا وقانونيا، إذ حضر أخواها إلى المحكمة وأعلنا موافقتهما على القسمة المتساوية. مع ذلك رفضت المحاكم طلبها مرتين لاعتمادها قوانين الميراث الإسلامي التي تمنح الورثة الذكور ضعف ما تتحصل عليه الإناث.

تشير نصرالله، وتبلغ من العمر 40 عاما إلى أن والدها لم يترك الملايين من الجنيهات بل مسكنا يتكوّن من أربعة طوابق في أحد أحياء القاهرة الأقلّ دخلا وأموالا في حسابه البنكي.

الشريعة الإسلامية تلقى قبولا لدى قطاع كبير من الذكور المسيحيين، لأنها تمنحهم نصيبا ضعف الإناث، لذلك حاول بعضهم تبرير ذلك بأنه قانون تفرضه الدولة

 لم يمانع شقيقاها في منحها حصتها بالتساوي معهما، وحضرا الجلسات وتمسكا بتطبيق الشريعة المسيحية في الإرث وتوزيع الأنصبة الميراثية بالتساوي بين الذكور والإناث لكن المحكمة تجاهلت شهاداتهما.

لذلك، توجهت إلى المحكمة العليا لتطعن في هذه الأحكام، معتقدة أنه على المحكمة أن تحترم الهياكل القائمة داخل المجتمع، وتساءلت: إذا لم أحوّلها إلى المحكمة، فمن سيفعل ذلك من أجلنا؟

تتمسك نصرالله بالاحتكام لشريعتها، ولو كلّفها اﻷمر خوض معركة لإقرار مبدأ ممارسة حقها في المساواة بين الرجل والمرأة، ربما لو انتصرت يتحسّن وضعها وسيدات مصريات أخريات، ترى أنهن في ظل هذا المجتمع يتعرضن للمشكلات نفسها، بغض النظر عن الديانة.

تحاول المحامية الاستفادة من تشريع مسيحي نادر يحترم المساواة بين الجنسين، لأن نص المادة الثالثة من الدستور المصري خطوة معقولة في طريق تفعيل مبدأ المواطنة وحرية العقيدة، وإن كان قاصرًا على أتباع الديانات السماوية.

لكن إقرار هذا النص دون تفعيله يعدّ إهدارا لتلك المبادئ، ويجب اتخاذ إجراءات فعلية لاستصدار قوانين في القضايا المحددة بهذا النص، وأبرزها مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين بما لا يخلّ بباقي أحكام الدستور.

يرى المحامي القبطي، جرجس بباوي، أن هذه القضايا ناتجة عن التعصب الديني، ومثّل العشرات من الأقباط في قضايا مماثلة مؤخرا، لكنه لم يفز بأي واحدة بعد، ويأمل أن تكون نهاية قضية هدى، المعروضة على المحكمة الدستورية العليا في مصر مختلفة.

تنتمي هدى نصرالله إلى عشرة ملايين مسيحي قبطي في مصر، وتعيش في مجتمع مسلم في أغلبه مما جعله يخضع لدستور تعدّ فيه الشريعة الإسلامية مصدر التشريعات الرئيسي، لذلك يواجه المسيحيون قيودا على الزواج بين الأديان وبناء الكنائس، ويمنع التبشير عليهم.

تعدّ الكنيسة القبطية واحدة من أقدم المراكز المسيحية في العالم، وهي محافظة في تعاملاتها مع المسائل الاجتماعية، وتحظر الطلاق، إلا لعلة الزنا أو تغيير الملة.

ومع أن النظام القانوني في مصر يمنح الكنيسة القبطية السلطة الكاملة في مسائل الأحوال الشخصية التي تهمّ الأقباط، لكن الكنيسة لا تتمتع بنفس الصلاحيات لفرض حقوق الميراث التي وضعتها الديانة لأتباعها.

عندما سُئل البابا الراحل شنودة الثالث عن موقف الكنيسة في تقسيم الميراث بين الرجل والمرأة قال “الكنيسة لم تضع للميراث نظاما محددا، والمسيحية لم تضع قوانين حالية، وإنما وضعت مبادئ روحية في ظلها يمكن حل المشاكل المالية وغيرها، وينطبق هذا على موضوع الميراث”.

التنوع الديني في مصر يطرح جدلا بشأن إقرار المساواة في الإرث

وتلقى الشريعة الإسلامية قبولًا لدى قطاع كبير من الذكور المسيحيين، لأنها تمنحهم نصيبا ضعف الإناث، وحاول بعضهم تبرير ذلك بأن لا إرادة لهم في الأمر، إنما هو قانون الدولة الذي تفرضه المحاكم.

ويتغاضى البعض عمَّا يرد بإعلام الوراثة، ويتعاملون بشكل ودي بعيدًا عن المحكمة، والقيام بقسمة رضائية وفقا لمبادئ الشريعة المسيحية بالمساواة بين الذكر والأنثى في الإرث أو حسب حاجة الشخص، فالأكثر احتياجا يحصل على النسبة الأكبر، وهناك من يمنح النساء بعض الأموال مقابل التنازل عن ميراثهن .

تقول كريمة كمال، إن قضية نصرالله تسلط الضوء على التمييز المزدوج الذي يمكن أن تواجهه المرأة القبطية في مجتمع يدرج فيه الدين على بطاقات الهوية الصادرة عن الحكومة، “يجب ألا تنفّذ قواعد دين معيّن على أتباع ديانة أخرى”.

انتشرت الدعوات المطالبة بتحقيق المساواة في الميراث في أرجاء العالم العربي بعد أن اقترحت الحكومة التونسية مشروع قانون يلبّي هذه المطالب خلال السنة الماضية.

لكن مؤسسة الأزهر، أعلى مؤسسة دينية سنية في العالم الإسلامي، وقفت ضد الاقتراح مشددة على أنه يتناقض مع الشريعة، ولوّحت بأنه يزعزع استقرار المجتمعات العربية.

في هذا السياق، توضح هند أحمد زكي، وهي أستاذة مساعدة في العلوم السياسية بجامعة كونيتيكت، أن مسألة الميراث تتجاوز القواعد الدينية وتمتد إلى طبيعة المجتمع والنظام القضائي المبنيّين على كراهية النساء في المجتمع المصري.

وتلفت زكي النظر إلى مسألة مهمة، وهي أن الدولة تخشى منح حقوق متساوية للمرأة المسيحية لأنها تعتقد أنها ستمهد الطريق للمرأة المسلمة التي ستطالب بنفس الشيء قريبا.

13