مسيحيو الشرق: لسنا مع الدكتاتوريات والأسلمة تخيفنا

يلقي الربيع العربي بثقل مقلق على وضع الأقليات في المنطقة، ذلك أنه في عملية الولادة الجديدة الجارية حاليا، انهيار لقيم ومؤسسات وعقائد طالما نظمّت، ولو بشكل جزئي، تعايش الطوائف والجماعات في ما بينها. ولئن تولّت الأيديولوجيات تارة، وسيف الاستبداد تارة أخرى، فرض ذلك التعايش والحدّ من توتراته، فإن سقوط الاثنين معا تداعى سلبا على علاقة الأقليات مع الأكثرية، كما على علاقة الأقليات بالأقليات.
الخميس 2016/04/07
أجراس كنائس الشرق ستظل تقرع وصدى ترانيمها لن يخفت

يعيش المسيحيون هذه الأيام مخاض الراهن بدينامية خاصة، ذلك أنهم مواطنون أصيلون وجزء من تاريخ وراهن المنطقة وهمومها، وبالتالي جزء من حراكها. كما أنهم ينتمون إلى أقلية عددية تخشى هيمنة مزاج الأكثرية، خصوصا حين يتلوّث ذلك المزاج بعقلية تطرف وتعصب وإقصاء وفوقية لا تقبل بالآخر وجودا وثقافة وفكرا ونمط عيش.

يرفض الدكتور هاري هاكوبيان، مستشار الكنيسة الكاثوليكية في بريطانيا لشؤون الشرق الأوسط، وضع جميع المسيحيين في المنطقة في سلّة واحدة، لكنه مع ذلك يؤكد أن “المسيحيين في مصر ولبنان والأردن وفلسطين، يواجهون مجموعة من التحديات لا تختلف بشكل كبير عن التحديات التي واجهوها قبل الربيع العربي”.

يتوقّف هاكوبيان عند حال المسيحيين في سوريا، حيث المعاناة من وطأة الحرب والعنف والتشرد، ويلفت إلى أن ذلك “مؤسف بالنسبة إلى سوريا، ذلك أن مجتمع البلد متعدد، وغياب المسيحيين سوف لن يغير فقط التركيبة الديمغرافية لسوريا، بل أيضا الجانب السيكولوجي للمجتمع”.

ويعتبر هاكوبيان أن الحالة الأسوأ هي في العراق، حيث كان استهداف المسيحيين مركزا وعنيفا، “وكان سابقا على الربيع العربي، أي منذ غزو العراق عام 2003. وقد تعرّض المسيحيون إلى جانب الأقليات الأخرى الأصغر حجما، مثل الصابئة والإيزيديين أو المندائيين، إلى أخطار مباشرة جعلت وجودهم غير آمن. وتتحدث الأرقام حاليا عن أن عدد المسيحيين يبلغ 300 ألف نسمة تقريبا، بما يمثل نصف ما كان يمثّله في بداية هذا القرن”.

يروي الأب نديم نصار، مدير مؤسسة وعي، أنه “حين بدأ ما يسمى بالربيع العربي في تونس وانتشر تدريجيا في منطقة الشرق الأوسط، استبشر الناس خيرا وتوقعّوا أن التغيير قادم بعد طول انتظار”. ورصد نصار تعطشا في المنطقة لتحقيق الحداثة بما هي “حرية الرأي و حرية العمل السياسي و ضرورة الانتقال من الحكم الأحادي إلى الحكم التعددي، كل هذا شجع الملايين من الناس على متابعة هذا الحراك بأمل التغيير”.

د. هاري هاكوبيان: المسيحيون يحتاجون إلى الشعور بالأمان وأنهم موضع ترحيب في أوطانهم

من جهته لا يعترف المطران داؤد، مطران السريان في المملكة المتحدة، بذلك “الربيع″ ويعتبره “عاصفة هوجاء عصفت بأهل المنطقة بشكل عام والمسيحيين بشكل خاص”. يتحدث داؤد عن حال التشريد الذي أصاب المسيحيين، فيقول “أصبح الماضي تاريخا يحنون إليه، وبات المستقبل مجهولا، وضاع من يدهم التراث والتقليد والوطن. وهذا الربيع الذي ينادون به ليس زراعة وبذرا، بل هو اقتلاع وإلغاء”.

المسيحيون والربيع العربي

يرى هاكوبيان أن المسيحيين في الشرق، وبحكم كونهم أقلية، “مالوا إلى تحري الحماية لدى حكام البلاد التي يعيشون فيها”. ويشدد على أن الأقلية الدينية عامة تفضّل “التمسك بحاكم يسمحُ لها بممارسة بعض الحقوق المحدودة (مثل العبادة)، بدل الطموح إلى تحصيل الحقوق الأساسية مثل المساواة والحريات المدنية التي يمكن أن ترتد ضدها في المستقبل”.

ويضيف هاكوبيان أنه يمكن فهم ذلك كردّ فعل بشري فطري، لكنه يستدرك بأن ذلك “يخالف العديد من المعايير، لا سيما تعاليم السيّد المسيح التي تدعو للتضامن مع الفقير والضعيف وليس مع الغني والقوي”.

ويرفض نصار وضع المسيحيين في المنطقة في قالب واحد، ذلك أنهم “ينتمون إلى تيارات سياسية وفكرية مختلفة تماما مثلهم مثل كل المواطنين الآخرين من الأديان الأخرى”. ويرى أن مشاعر المسيحيين إزاء “الربيع العربي” كانت مرحّبة “كنا نظن ونأمل أن مثل هذا الحراك سيخلق وحدة صفّ بين كل مكوّنات المجتمع ويزيدها لحمة وتعاضدا وانسجاما”.

لكن المطران داؤد لا يرى في هذا “الربيع″ إلا مؤامرة لتفتيت اللحمة الوطنية وتقسيم المنطقة وزرع الفتن والطائفية بين الأديان والقوميات”، وهو يقول “إننا نحن المسيحيين نرفض هذا الربيع شكلا ومضمونا”، ولا يعتبره إلا مخصّبا بـ”أجندات تخدم مصالح وأطماع وسياسات”، متمنيا من المسوؤلين في الشرق أن يكونوا “أكثر نضجا وحذرا لتجنيب المنطقة النزاعات التي لا مبرر لها، وأن يخدموا مصالح شعوبهم لا مصالح الغرباء”.

الأب نديم نصار: الإسلام السياسي لم يفرز فكرا مستنيرا، وخطابه ينتمي إلى فكر الإقصاء والتهديد والوعيد

ولا شك، ودون أي مواربة، أن شوائب الربيع العربي كما يستنتجها المسيحيون تستندُ على ظواهر الأسلمة التي أنطلقت وفق عناوين مختلفة، بحيث جرى الخلط بين الإسلام والإسلام السياسي من جهة، كما وضع المسيحيون وجها لوجه أمام واقع هيمنة الدين على اللغة السياسية في المنطقة.

يذكّر هاكوبيان بالتعايش التاريخي بين الأديان في المنطقة، لكنه يذهب إلى صلب الموضوع “المشكلة هي مع الإسلام السياسي الذي يرفض الاعتراف بالهوية والتاريخ والقيم الايمانية للمسيحيين ومؤسساتهم، ويتعامل معهم بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية، أو أهل ذمة في أحسن الأحوال، أو كفارا غير مرغوب بوجودهم وجب اعتناقهم الإسلام أو قتلهم. هذا ما يشعر به المسيحيون، سواء كان ذلك صحيحا أم لا، وهو أمر لا يقبله معظم المسيحيين”.

في هذا الشأن يلاحظ نصّار أنه “فجأة بدأت الشعارات تتغير من شعارات وطنية علمانية تحترم النسيج الاجتماعي الخاص لكل بلد في الشرق، إلى شعارات متطرّفة إقصائية إلغائية، ليس فقط للمسيحيين أو الأقليات، بل لكل من يخالفها الرأي (…). استطاع الإسلام السياسي أن يخفي أنه ليس مختلفا عن الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة (…) وهو أنه آت ليقمع الشعوب، ولكن هذه المرة باسم الدين وباسم الله”.

من جهته يدعو المطران داؤد إلى الخشية والحذر “من تسييس الدين أو من يسيسون الدين ويستعملونه لغايات خاصة ويستغلونه لتمرير أفكارهم وتطلّعاتهم”. ويضيف “بصراحة الإسلاميون زجوا بالدين في موقف صعب واستخدموا بعض الآيات التي قيلت في حينها والتي ليس من الممكن تطبيقها على عالم اليوم”.

يرى هاكوبيان أن علاقة المسيحيين بأنظمة الحكم نابعة من الحاجة إلى الأمن والاستقرار التي تبرر، ربما، التمسك بالحاكم الذي خبروه بديلا عن المخاطرة بالعيش وفق نظام عيش غير مضمون، غير أن الأب نصار يؤكد من جهته أن المسيحيين في الشرق “لم يقبلوا يوما أن يكونوا تحت حماية دكتاتوريات المنطقة، ورفضوا باستمرار أن يكونوا أتباعا لحكام معينين، معتبرا أن “انتماءنا كمسيحيين هو انتماء للوطن والمجتمع، وليس انتماء سياسيا لحاكم بذاته”.

300 ألف نسمة تقريبا عدد المسيحيين في العراق، بما يمثل نصف ما كان يمثله في بداية هذا القرن

يقول نصار إن منطلقات المسيحيين هي “المواطنة التي تعطي وتصون الحق للجميع في اختيار اتجاهاتهم الفكرية والدينية وحتى الأيديولوجية، وتفتح لهم المجال في المنافسة في الحقل السياسي لخدمة المجتمع والعمل على ارتقائه”، ثم يخلص “جاء الإسلام السياسي ليلغي مفهوم المواطنة ويستعيض عنه بإعادة الجدل حول تحويل الأقليات، مرة أخرى، إلى أهل الذمة و جعلهم يدفعون الجزية”.

يقترب نصار من وطنه سوريا ليقول إن “الأحداث برهنت أن الحلّ العسكري لم يكن الطريق الأمثل للتغيير الذي يتوق إليه الناس، ولم يحقق الشعارات التي يرفعها الجميع من حرية وديمقراطية وحياة أفضل للناس، وإنما أظهر التكالب الهائل نحو السلطة والمال، ما دفع البلد إلى هاوية ونفق مظلمين لا أحد يعرف كيف الخروج منهما”.

ويواصل الأب نصار انتقاده للإسلام السياسي ويتهمه بأنه “لم يفرز فكرا مستنيرا يرسل رسائل الاطمئنان والاحترام والمحبة للأقليات الكثيرة الموجودة في الشرق، وما أرسله كان ينتمي الى خطاب الإقصاء والتهديد والوعيد”.

ويرفض المطران داؤد أي تلميح باستئناس المسيحيين بالدكتاتورية تحريا للحماية. فهو حاسم في أن “الدكتاتورية هي استعباد وأنانية، ونؤمن أن السيّد المسيح حرر الإنسان من العبودية وأعطاه مفاهيم جديدة وقيّم حتى يعيش الحرية”.

ويذكّر المطران داؤد أن “العالم اليوم أصبح مثقفا ومتعلما وحضاريا، فولى ذلك الزمان الإقطاعي والدكتاتوري (…). عانينا من هكذا حكام، لكن لا يمكن القبول بالقضاء على الدكتاتورية لاستبدالها بحكام متطرفين”.

المطران توما داؤد: المسيحيون يرفضون الربيع العربي ويعتبرونه مخصبا بأجندات تخدم مصالح وأطماعا

بين الشرق والغرب

في ما يتم تداوله حول انتماء المسيحيين بين شرق وغرب، يرى الدكتور هاكوبيان أنه “من الخطأ القول ببساطة إن المسيحيين يحبون الغرب”، مضيفا أن المسيحيين “عانوا مع المسلمين من الاستعمار والهيمنة والاحتلال”. ويشير إلى ما كتبه مثقفون مسيحيون عن أزمات الشرق الأوسط ومسؤولية السياسات الغربية في ذلك، كما عن “ارتيابهم من الدوافع الغربية، ومدى تمسكهم بالبقاء في منطقة الشرق الأوسط”. ومع ذلك يرى هاكوبيان أن المسيحيين “يحتاجون إلى الشعور بالأمان أو أنهم موضع ترحيب في أوطانهم”.

ويشكو الأب نصار من أنه “لا الغرب ولا مسلمو الشرق ينظرون إلى انتمائنا بأنه أصيل في بلادنا المشرقية، فنحن بعيون الكثير من المسلمين امتداد للغرب المسيحي، والبعض يذهب إلى أبعد من ذلك ليعتبرونا عملاء للغرب المسيحي، أما الواقع فهو أن الغرب ليس مسيحيا ونحن لا نشكل في اهتماماته ومصالحه في الشرق أي ثقل”.

من جهته يذهب المطران داؤد إلى لبّ المسألة “نحن شرقيون ويهمنا بلدنا، ولكن الناس، كل الناس، تتطلع اليوم نحو الغرب للعيش بسلام ولتأمين مستقبل الأولاد وممارسة الحقوق بكل حرية”، لكن داؤد لا تغشيه المظاهر ذلك أنه لا يغفل أن “حكومات الغرب هي جزء كبير من مشاكلنا”، مضيفا “دائما نحن كمسيحيين نتهم بالتبعية للغرب على أساس أنه مسيحي، وهذا غير صحيح، والسياسة الغربية ليس لها أي اتجاه ديني، والغرب لم يقدم لنا أي خدمة أو مساعدة، وكثيرا ما نكون ورقة تجارة بيده”. يقارب هاكوبيان الأمر من حقيقة أنه “عندما يحتفل المسيحيون بعيد الميلاد أو عيد الفصح فهم يتطلعون نحو بيت لحم والقدس، وليس سيدني أو لشبونة!”.

في شهادة رجال على تماسّ مباشر بالهمّ المسيحي في المنطقة، تبرز معالم كارثة تاريخية تهمّ كل شعوب المنطقة، ذلك أن إفراغ المنطقة المنهجي أو العبثي من مسيحييها هو تشويه جذري لهوية هذا الشرق وتعدده وثرائه الروحي والثقافي. ربما في تلك الصرخات المسيحية الصادرة من وجع أصيل ما يجب أن يوقظ في عموم المنطقة وعيا استثنائيا لوقف نزيف الوجود المسيحي في كل المنطقة. صحيح أن كوارث المنطقة تطيح حاليا بمواردها من بشر وحجر، دون كثير تفريق بين الطوائف والمذاهب والأديان، بيد أن وقع الكارثة على الأقلية، بصفتها أقلية، أشد إيلاما ووقعا، من بقية المكونات الاجتماعية.

كاتب سياسي لبناني

7