مسيحيو العراق المهجرون عالقون في مستنقع اللجوء الدائم

الثلاثاء 2014/09/16
مسيحيو العراق يعلمون أبناءهم أصول التشبث بالجذور وبأرض الأجداد على أمل أن يعودوا يوما إلى وطنهم

عمان - الظروف المأساوية التي يشهدها العراق بعد سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على مساحات واسعة من أراضيه، دفعت الكثير من العراقيين المسيحيين، شأنهم شأن العديد من أصحاب المعتقدات الأخرى، إلى الفرار من أرض أجدادهم التي يؤمنون بالانتماء إليها. تهجيرٌ قسريٌ جعلهم لاجئين شبه دائمين في بلدان الجوار، خاصة في ظل تعطل إجراءات منحهم تأشيرة العبور إلى البلدان الغربية التي شكلوا على أساس الوصول إليها أحلامهم السعيدة التي يبدو أنّ انتظار تحقّقها سيطول.

في كل يوم أحد يلتقي عشرات المسيحيين العراقيين الفارين من جحيم العنف في العراق في كنيسة مريم العذراء للسريان الكاثوليك في منطقة الأشرفية شرق عمان للصلاة وتبادل الأخبار.

أغلبهم فرّ حديثا بعد سيطرة متطرفي الدولة الإسلامية على الموصل وبلداتهم وقراهم في شمال العراق، فيما جاء آخرون إلى المملكة قبل هذا التاريخ.

ويعد الأردن الممر الإجباري لهؤلاء المسيحيين الراغبين قسرا في الهجرة إلى أميركا الشمالية وأوروبا، فبعد مغادرتهم الموصل والبلدات والقرى المجاورة التي كانوا يقطنونها إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان يتوجهون جوا إلى عمان، التي يمكثون فيها أشهرا عدة وأحيانا سنوات قبل أن يحصلوا على مرادهم.

وفي هذا السياق، قال وائل سليمان، مدير عام منظمة كاريتاس الأردن، إنّ “حوالي 70 % من مسيحيي العراق (بعد كان يقدر عددهم بأكثر من مليون شخص) تركوا وطنهم خلال السنوات العشرين الماضية بسبب الحروب والنزاعات المتتالية".

70 بالمئة من مسيحيي العراق تركوا بلدهم خلال السنوات العشرين الماضية

وأضاف أن “من تبقى منهم في العراق تعرض لضربة قاضية بعد سيطرة المتطرفين على مناطقهم، ما أجبر نحو 200 ألف منهم على الفرار إلى إقليم كردستان".

ويذكر أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” المتطرف كان قد سيطر في شهر يونيو الماضي على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق التي كانت تضم نحو 30 كنيسة يعود تاريخ بعضها إلى نحو 1500 سنة، ثم تمدد إلى باقي القرى والبلدات المسيحية المجاورة في سهل نينوى. وفي البداية خيّر التنظيم مسيحيي الموصل بين “اعتناق الإسلام” أو “عهد الذمة” أي دفع الجزية، مهددا بأنّهم “إن أبوا ذلك فليس لهم إلّا حدّ السيف”، ثم عاد في يوليو الماضي فأمهلهم بضع ساعات لمغادرة مدينتهم وإلّا سيكون مصيرهم القتل، ما أجبر معظمهم على الفرار إلى كردستان العراق.

وفي صالة الكنيسة، التي عُلقت الأعلام العراقية فيها جنبا إلى جنب مع الأعلام الأردنية، جلس غدير يوسف (34 عاما) الذي توفيت زوجته قبل عامين إثر عملية جراحية بسكون، وأطفاله الثلاثة من حوله.

وقال يوسف الذي كان يعمل في مزرعة دواجن في العراق، “هربنا من بلدتنا قره قوش (أكبر بلدة مسيحية في العراق إذ يبلغ عدد سكانها 50 ألف شخص) في السادس من أغسطس بعد أن تعرضت للقصف بقنابل الهاون. هربنا بواسطة حافلة كانت تابعة للكنيسة نحو أربيل بالملابس الّتي كنّا نرتديها. لم آخذ معي سوى ذهب زوجتي الّذي بعته في ما بعد بألفي دولار أميركي كي لا يموت أطفالي من الجوع".

وأضاف “بقينا في أربيل لمدة أسبوع. نمنا في الشوارع والحدائق العامة وتحملنا ما فيه الكفاية، ثم قررنا المجيء إلى الأردن".

وتابع وهو يمسح بيده على رؤوس أطفاله الثلاثة ” صحيح أنّها أرض آبائي وأجدادي ولكنها لم توفر لي ولأطفالي الحماية، نحن نأمل في أن نحظى بحياة أفضل لا نشعر فيها بالخوف والظلم والمهانة، على أمل أن نعود يوما".

لويس ساكو: خلال 10 سنوات هوجمت 61 كنيسة وقتل نحو ألف مسيحي في العراق

من جهتها، أدركت رجاء مارزينا (39 عاما) رفقة وزوجها أنّ عليهما الهروب من العراق رفقة أطفالهما الخمسة بعد أن سيطر المتطرفون على قره قوش.

حيث قالت “لم نفكر يوما في ترك العراق، وطننا الذي نحبه، لكن المشكلة أنّهم لم يتركوا لنا خيارا آخر، كان علينا أن نهرب حفاظا على أرواحنا وديننا".

وفي سياق متّصل، قال حميد طوبيا (55 عاما) وهو أب لسبعة أطفال ويعمل في تجارة الدواجن، أنه لا يعرف ما يخبئه له المستقبل في الأردن، مضيفا بالقول: “نحن متعبون نفسيا وجسديا وماديا، لقد تركنا كل شيء خلفنا وهربنا، تركنا منازلنا ومزارعنا وسياراتنا وأموالنا، حتى ملابسنا وأغراضنا الشخصية تركناها. صراحة لقد عانينا الأمرّين كي نصل إلى هنا، ونحن نأمل في أن تنتهي معاناتنا في أقرب وقت ممكن".

من جهة أخرى، عبّر طوبيا عن أمله في أن “يتمكنوا من الحصول على تأشيرة الدخول إلى إحدى الدول الأوروبية أو أميركا أو أستراليا أو نيوزيلاندا أو كندا” مشيرا إلى أنّ المكان غير مهم، فالمهم عندهم هو أن يرحلوا بأسرع وقت ممكن حتى يبدؤوا حياة جديدة".

وفي هذا السياق، تدخل طارق الإسحاقي (76 عاما)، الذي جاء إلى عمان قبل أربعة أعوام، في الحوار، وقال ساخرا “انظروا إلي أنا الرجل العجوز، أنا هنا منذ أربع سنوات، وقد سبق أن قدمت طلبا رسميا للحصول على اللّجوء الإنساني منذ أربع سنوات ومازلت انتظر دون فائدة".

بدوره، قال الأب نور القس موسى راعي كنيسة السريان الكاثوليك إنّ “الكنيسة تقوم وبالتنسيق مع كاريتاس لاستقبال هؤلاء المسيحيين الفارين وتأمين الطعام والشراب والمسكن لهم وتسجيلهم لدى الأمم المتحدة كلاجئين".

وأضاف “لقد عانوا أوضاعا إنسانية صعبة جدا في بلدهم، وأغلبهم فر بالملابس التي يرتديها، لقد تركوا كل شيء خلفهم وسط صمت دولي كبير وغياب أيّ دور للمنظمات الإنسانية التي لم تحرك ساكنا".

من جهة أخرى، أكد سليمان مدير عام كاريتاس أن منظمته التي قدمت المساعدات لنحو 60 ألف عراقي منذ سنة 2003 “استقبلت الشهر الماضي نحو ألف مسيحي وقدمت لهم كل أنواع المساعدات وهي تتوقع وصول المزيد منهم”، مشيرا إلى أنهم “يعانون من مشاكل صحية ونفسية بسبب فقدانهم لكل شيء تقريبا، تاريخهم وجذورهم وبيوتهم وأموالهم وممتلكاتهم".

يذكر أنّه، خلال السنوات العشر الأخيرة، هوجمت 61 كنيسة وقتل نحو ألف مسيحي، لكن الضحايا لم يسقطوا جميعهم في هجمات استهدفتهم مباشرة، بحسب بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس ساكو.

13