مسيحيو العراق لا يرون أيّ فرصة لتغيير أوضاعهم بعد زيارة البابا

في العراق المحكوم بنظام طائفي يهمّش الأقليات لم توضع أي سياسات تشجّع المسيحيين على العودة إلى وطنهم.
الاثنين 2021/03/15
لقاء داوى جروحا نفسية ولم يرمم ما انكسر واقعيا

بغداد – لا يرى المسيحيون العراقيون الذين اختار عدد منهم عدم مغادرة العراق رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها وجود فرصة لتغيير تلك الأوضاع بعد الزيارة التي قام بها مؤخّرا إلى البلاد البابا فرنسيس وأخذت أصداء كبيرة بما تضمنته من حثّ على السلام والتسامح والتعايش.

وأبرز تقرير للأسوشيتد برس نموذجا عن نظرة التشاؤم السائدة بين من بقي من مسيحيي العراق من خلال تجربة إحدى المسيحيات التي التقت البابا خلال الزيارة وتحدّثت إليه وما زالت على الرغم من ذلك تصرّ على قرارها بمغادرة البلاد.

وورد في التقرير الذي كتبته سامية كلاب أنّ مأساة ضحى صباح عبدالله الشخصية خلّفت صدى عميقا لدى البابا فرنسيس خلال زيارته التاريخية في نهاية الأسبوع قبل الماضي إلى مدينة قرقوش الواقعة جنوبي مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال العراق والتي دمرها مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية.

ففي عام 2014 نبّه مقتل ابن ضحى المجتمع المسيحي في المدينة إلى هجوم داعش الوشيك، حيث سقطت قذيفة هاون أطلقها المسلحون لدى اقترابهم من قرقوش خارج منزل أسرة عبدالله ما أسفر عن مقتل الابن واثنين من أبناء عمومته الذين كانوا يلعبون في الفناء الأمامي. وقد استمع البابا إلى شهادة ضحى في قرقوش الأحد قبل الماضي.

ولكن بعد أيام قليلة من زيارة البابا التي كانت تهدف إلى إعطاء الأمل للمجتمع المسيحي المتضائل في العراق وتشجيع أفراده على البقاء، تشك ضحى في أن الحياة في العراق ستتغير. وقالت إنها ستغادر إذا أتيحت لها الفرصة.

وقالت إنّ البابا لا يمتلك “عصا موسى ولا يمكنه شق البحار وحل مشاكلنا الصعبة. وإذا حصلت على موارد أو منحني أحدهم الفرصة لمغادرة هذا البلد، فلن أعود أبدا”.

وبعد سنوات من إعلان القوات العراقية الانتصار على داعش وطرد المسلحين من المنطقة، لا تزال ابنة عبدالله ذات الاحتياجات الخاصة غير قادرة على الالتحاق بالمدرسة المناسبة لوضعها، ولا تزال المنازل محطمة ومدمرة. ويصعب الحصول على وظائف ولا يخطط أي من أقارب ضحى في الخارج للعودة.

Thumbnail

وتضاءل عدد السكان المسيحيين في العراق بعد أن كانوا موجودين منذ زمن المسيح من حوالي مليون ونصف المليون قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 إلى بضع مئات الآلاف اليوم. وتشير التقديرات إلى أن عددهم الحالي يتراوح بين 250 ألفا و500 ألف.

ومع تزايد استهداف الجماعات المتطرفة للكنائس والمجتمعات المسيحية في ذروة الحرب الطائفية في العراق التي أعقبت الغزو، شهدت البلاد نزوحا جماعيا للمسيحيين. وفرّ المزيد بعد هجوم داعش الوحشي في 2014 الذي أفرغ قرى مسيحية بأكملها عبر سهول نينوى الشمالية.

وهدفت زيارة البابا فرنسيس إلى العراق التي استغرقت أربعة أيام، والتي شملت قرقوش، إلى تشجيع المسيحيين على البقاء وإعادة البناء واستعادة ما أسماه “بساط العراق” الثري بالأديان والجماعات العرقية.

وكانت قرقوش وهي بلدة ذات أغلبية مسيحية في نينوى، واحدة من العديد من المدن التي هاجمها تنظيم الدولة الإسلامية قبل سبع سنوات. وقد اجتاح المسلحون البلدة وألحقوا أضرارا بكنيستها وكتبوا عبارة “الدولة الإسلامية ستبقى” على أسوار المدينة. ووجد المسيحيون القلائل الذين عادوا بعد تحرير قرقوش في 2016 دمى تدريب عليها طلقات نارية وعلامات أخرى دلّت على أن المسلحين استخدموا مباني الكنيسة كميدان لتعلّم إطلاق النار على الأهداف المحددة.

ودُمّرت العديد من المنازل في المعارك لطرد التنظيم ولم تشهد المنطقة استعادة الخدمات الأساسية بعد. ولا يزال معظم مسيحيي البلدة مشتتين في أماكن أخرى في العراق وخارجه.

وتتذكر ضحى عبدالله بوضوح شهر أغسطس 2014 عندما هاجم مسلحو داعش المجتمعات المسيحية في جميع أنحاء نينوى. وتتذكر ابنها واثنين من أبناء عمومته.

وعلى متن الطائرة المتوجهة إلى روما ذكر البابا شهادتها وقال للصحافيين “لقد أثرت فيّ أكثر من غيرها. لقد قالت كلمة واحدة: مغفرة.. فحرّكت مشاعري”.

Thumbnail

في كل منعطف من رحلته التاريخية في العراق حث فرنسيس العراقيين على احتضان التنوع، من النجف في الجنوب حيث عقد لقاء تاريخيا وجها لوجه مع رجل الدين الشيعي علي السيستاني، إلى نينوى في الشمال حيث التقى بضحايا مسيحيين مثل ضحى.

لكن بعد رحيل البابا قالت المرأة إنها عادت إلى الواقع مجددا. وأضافت “وضعنا صعب لأنه لا يوجد اتفاق داخل الحكومة. كيف يمكن لأي شخص أن يعود؟ لا توجد حتى الخدمات الأساسية”.

وردد بهنام يوسف وهو من سكان قرقوش مخاوفه وقال إن “زيارة البابا لفتت انتباه العالم إلى العراق”، لكن المسيحيين يحتاجون إلى المزيد من الضمانات قبل العودة. وأضاف “يجب أن يحصلوا على المساعدة، فقد دمرت منازل بعضهم وحُرقت، ويجب تعويض كل هذه الخسائر”.

وبمناسبة زيارة البابا، أعلن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عن تسمية 6 مارس من كلّ عام يوما وطنيا للتسامح والتعايش في العراق. لكن هذه اللفتات المعنوية لم تقترن بخطوات عملية. فحتى الآن لم يقرّ العراق أي تشريع ولم يسن أي سياسات تشجّع المسيحيين على العودة إلى وطنهم.

وقالت عبدالله إنها تتمنى أن تعيش في عراق يتمتع فيه المسيحيون والأقليات الأخرى بحقوق متساوية وليس عراق اليوم حيث غالبا ما يهمش نظام السلطة الطائفي الأقليات. وتابعت “كانت رؤية البابا مذهلة، إذ لم أحلم أبدا بأنني سأكون قريبة جدا منه. لكنها لم تغير أي شيء”.

3