مسيحيو القدس: أقلية تصارع من أجل إثبات الهوية

لا يستثني الاحتلال الإسرائيلي من طائلة ممارساته أي مكون من مكونات الشعب الفلسطيني، بل يوزع مفاعيل احتلاله بعدل على كل الفلسطينيين، إلا أن وضع المسيحيين في المناطق المحتلة غاية في التعقيد، إذ يعتبرون أقلية تعيش داخل أقلية، لا بالمنطق العددي فحسب، بل بمعنى أنهم أقلية عربية تعيش في إطار شعب محتل. وهم بذلك يتعرضون لممارسات الاحتلال ولنتائج كونهم أقلية داخل الأغلبية المسلمة تستشعر أيضا ما يتعرض له المسيحيون في المنطقة العربية.
الخميس 2017/01/26
الآفاق المسدودة: الاحتلال أو الهجرة

القدس – تعيش أعداد صغيرة من المسيحيين الناطقين بالعربية داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، على الرغم من أن القطاع الأكبر من سكان هذه المناطق يهود ومسلمون. وتضم المنطقة كلها أكثر المواقع المسيحية قداسة، فقد ولد المسيح في بيت لحم وشب عن الطوق في الناصرة وعاش في القدس.

غير أنه في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر المتوسط يشكل المسيحيون نسبة صغيرة فقط من إجمالي عدد سكانها، كما أن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين جعل حياتهم صعبة، إلى جانب معاناتهم من مشكلات أخرى.

وقال الأب نيكوديموس شنابل من دير دورميتيو بالقدس “إن عدد المسيحيين العرب آخذ في التناقص”. وأضاف “إنهم يغادرون المنطقة، وهم يحصلون على اللجوء السياسي سريعا في أماكن أخرى باعتبارهم ضحايا للاضطهاد”. وأشار هذا الأسقف الكاثوليكي الذي يحمل الجنسية الألمانية إلى أن المسيحيين العرب يتمتعون في الغالب بالتعليم الجيد كما أنهم منظمون جيدا، ويقول “إن لديهم أقل معدل للإنجاب”.

ويبلغ عدد المسيحيين الذين يعيشون في الضفة الغربية أقل من 50 ألفا أو نحو ذلك، أي بنسبة قرابة 1.7 بالمئة من تعداد سكانها البالغ حوالي 2.9 مليون نسمة.

وفي بيت لحم التي تعد مدينة يعرف عنها أنها مسيحية الهوية وتقع في الضفة الغربية، يقول المسؤولون إن أقل من نصف عدد سكانها البالغ عددهم 33 ألفا يعتنقون المسيحية حاليا، فقد هاجر الكثير منهم إلى أميركا الوسطى والجنوبية.

وفي إسرائيل يوجد حوالي 166 ألف مسيحي فقط، أي نحو 2 بالمئة من عدد سكانها، وذلك وفقا لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي. ومعظم المسيحيين الذين يعيشون في إسرائيل يحملون الجنسية العربية ويعرفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون.

المسيحيون جزء أساسي من النسيج الاجتماعي الفلسطيني بشكل عام، والمجتمع المقدسي بشكل خاص

ويقول ولفجانج شميت رئيس “كنيسة المخلص اللوثرية” بالقدس إنه لأمر معروف جيدا أن الأقلية الفلسطينية في إسرائيل لا تتمتع بنفس الحقوق مثل الأغلبية اليهودية في نواح كثيرة.

ونشرت هيئة الأراضي الإسرائيلية عام 2013 مناقصات لبناء 44 منطقة صناعية في الأحياء اليهودية، ولكن لم تخصص مناقصة واحدة للأحياء العربية، وذلك وفقا لما تقوله منظمة “عدالة” التي تدافع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل.

ويضيف شميت “يمكنك أن ترى أن الوضع نفسه ينطبق على الأراضي الفلسطينية، فقد عانى المسيحيون تحت الاحتلال مثلهم في ذلك مثلما هو الحال مع مواطنيهم المسلمين، وعانى كلا الجانبان من التمييز ضدهما”.

بينما يقول شميت “على المسيحيين أن يقرروا لأنفسهم ما هي المجموعة التي يشعرون أنهم ينتمون إليها، وبالطبع يواجهون في البداية تساؤلا حول ما إذا كانوا مسيحيين أولا، أم فلسطينيين أولا، أم إسرائيليين أولا”. وأضاف إنه يتعين أن تخضع هويتهم للمراجعة والقتال من أجلها وتوضيحها.ولاحظ شميت اتجاها آخر يثير القلق، ويقول “نحن نشاهد الآن اتجاه المسيحيين للانعزال والتقوقع الذاتي داخل جيتو”.

وأضاف إن” المسيحيين أصبحوا يفضلون البقاء داخل التجمعات الخاصة بهم، وينسحبون إلى مناطق معينة مثل قريتي بيت صفافا وبيت حنينا بالقدس”. وأشار إلى أن الكنائس بمناطقهم تمتلئ بالمصلين، غير أن الناس ينظرون إليهم بعين الشك.

ومن ناحية أخرى، يقول شنابل إن المسيحيين العرب يشعرون بقلق بالغ إزاء العمليات القتالية الجارية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويوضح قائلا “إنهم يخشون من أن يأتي مقاتلو التنظيم إلى مناطقهم”، مضيفا أنه يسمع الناس يرددون عبارات مثل “لا يمكنكم أن تثقوا في المسلمين، فإننا لا ندري ما رأيهم في داعش”.

ومن جانبه، أشار الناشط والباحث الاجتماعي في القدس، نبيل إيميل عبدالله (مسيحي الديانة)، إلى أن عدد المسيحيين في القدس وصل إلى “منحى كارثي”. وأضاف عبدالله، “اندثار مسيحيي القدس يعني تغيير هوية المجتمع والفسيفساء التي تشكل جميع الطوائف في القدس”.

وتابع “المسيحيون جزء أساسي من النسيج الاجتماعي الفلسطيني بشكل عام والمقدسي بشكل خاص، لكن هناك تخوف من اندثار الوجود المسيحي بالقدس في حال استمر الوضع على ما هو عليه الآن، وسيصبح من الصعب أن تجد مسيحيا فيها”.

13