مسيحيو المشرق.. ذاكرة خصبة تحاصرها رمال التطرف

المسيحيون في المشرق يشكّلون مكونا أساسيا لمجتمعات المنطقة منذ التاريخ القديم، وأثروا الدول المتعاقبة بسعة ثقافتهم ومهاراتهم المتوارثة، لكنّ أنظمة الحكم التي جاءت في العصر الحديث عملت على تهميش دورهم، وزاد المد الأصولي في الوقت الراهن من غربتهم على أرضهم ممّا اضطر الكثير منهم إلى الهجرة، أمّا من تبقى فتتعامل معه القوى السياسية كمجرد ورقة انتخابية.
الخميس 2016/08/25
جذور يريد التطرف قطعها

المسيحيون يعدون في نظر معظم المؤرخين من أقدم المجموعات السكانية التي استوطنت هذه الأرض ورسمت ملامحها، سواء في العراق أو بلاد الشام أو مصر، وجذورهم التاريخية تعود إلى الأسلاف الذين أسسوا أولى الحضارات من آشوريين وآكاديين وأقباط.

ويبدو أن عراقة المسيحيين في هذه الجغرافيا الشاسعة وضعتهم في موقف تأريخي يميّزهم عن غيرهم، موقف مارسوا من خلاله حضورا إنسانيا مؤثرا، فكانت لهم بصمتهم في ذاكرة المكان، ومازال صداها يتردد واضحا رغم العتمة التي غطت سحبها الكثيفة سماء الأرض التي شهدت بواكير الوعي البشري وتألقه.

وضع المسيحيون اللبنات الجوهرية لهويّة هذه البيئة قبل أن تفد إليها أقوام وديانات أخرى، سواء عن طريق الغزو أو الهجرة لتسبغ عليها هويتها ولغتها وثقافتها بعد أن محت ثقافة سكانها الأوائل.

الأهم في موضوع السكان الأوائل لهذه “الجغرافيا من المسيحيين”، أنّهم ظلّوا على عقيدتهم ولم يتخلوا عنها تحت ضغط الظروف القاهرة والمغريات التي أحاطت بهم وما واجهوه من تحديات، وربما هذا يعود إلى تعلقهم الكبير بالمعتقد الذي يؤمنون به وإلى وجود هامش معقول من الحرية كان إلى فترة قريبة تدخره البيئة الاجتماعية، هذا إضافة إلى أن الأنظمة السياسية المتعاقبة أتاحت لهم ولغيرهم من أتباع الديانات الأخرى من غير الإسلام، الاحتفاظ بعقيدتهم ولم تلجأ إلى أساليب قهرية لجعلهم يتخلون عنها، ولا ينفي هذا -في الوقت ذاته- ما كانوا يواجهونه من صعوبات كبيرة، عادة ما تفرزها تحولات سياسية كانت ومازالت تشهدها المنطقة العربية، وقد دفع المسيحيون ثمنها خسائر بشرية خاصة من رموزهم وزعاماتهم الدينية.

ما يؤسف له أن هذا الهامش من الحرية الذي أبقاهم أحياء ومنتجين ومتفاعلين، لم يعد متوفرا هذه الأيام بعد أن تصاعد مد الحركات الإسلامية المتطرفة، ابتداء من مطلع سبعينات القرن الماضي، وهنا يكمن مصدر الغرابة والدهشة في تاريخ العلاقة التي تربطهم مع البيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها.

الأنظمة السياسية التي تدعي علمانيتها، كانت تحمل في داخلها فكرا منغلقا، فكيف الحال إذن بحركات الإسلام السياسي

وبدلا من أن تتسع منافذ الحرية للتعبير عن العقائد المختلفة لتكتب مستوى آخر من الوعي الإنساني أكثر نضجا، ويتناسب طرديا مع التقدم الذي وصل إليه الفكر الإنساني في رؤيته للحقوق والحرية، نجدها اليوم أخذت في الانحسار بشكل مخيف مع ظهور حركات الإسلام السياسي وتمددها، وهذا ما انعكس بالتالي وبشكل مشوّه على طبيعــة الرؤية التي يتم من خلالها النظر إلى العقيدة الإسلامية.

لو عدنا إلى الوراء وتوقفنا عند ما يعرف بالدولة الأموية والعباسية، لوجدنا خلال تلك الفترة حضورا فاعلا للمسيحيين في بناء وتأسيس المنظومة الثقافية لتينك الدولتين، أولا لأنهم كانوا جزءا أساسيا وأصيلا من النسيج الاجتماعي والقبلي للمنطقة، فالقبائل العربية على سبيل المثال (بكر وتغلب وطي) التي كانت تسكن العراق، بقيت تدين بالمسيحية حتى بعد مجيء الإسلام ولفترة طويلة، وثانيا لأن المسيحيين السريان، الذين قدموا من سوريا وفلسطين إلى العراق في القرن الثاني الميلادي، كانوا يتمتعون بثقافة ومعرفة كبيرة بالكتابة وباللغات الأخرى غير العربية، وخاصة اليونانية، وهذا ما مهد الطريق أمامهم لكي تفتح لهم الأبواب على مصراعيها لارتقاء مسؤوليات ومناصب مهمة في الدولتين، ولم يستطع غيرهم أن ينافسهم عليها، ولهذا كان فضلهم كبيرا على السلطة الإسلامية الجديدة من ناحية مساهمتهم مع آخرين من غير العرب في تأسيس منظوماتها الثقافية والعلمية والمعرفية، وهذا ما يحسب بالتالي لصالح تلك الأنظمة عندما أحسنت التصرف في قدر من التسامح يعد كبيرا جدا فيما لو تمت مقارنته بما نشهده اليوم من انغلاق وتشدد وتطرف في التعامل مع أتباع الديانات الأخرى.

ما يؤشر على فاعلية المسيحيين في العراق الحديث تمكن ملاحظته في إطار المنظومة الثقافية، وكان لحضورهم الديني والحضاري القديم في هذه البقعة من الأرض السبب الرئيس في ذلك، وقد لعبوا طيلة وجودهم التاريخي هذا أدوارا فاعلة تتباين في قوتها وتأثيرها، انسجاما مع طبيعة المشهد السياسي ودرجة سخونته أو احتقانه أو حياديته.

إن دورهم الحضاري المؤثر في العصر الحديث جاء على هذه الصورة ليس لكونهم صاروا أقلية وبذلك كانوا يسعون بكل ما لديهم من إمكانات حتى يثبتوا فقط للأغلبية حضورهم المميز، وإنما لأنهم يحملون في داخلهم شعورا قويا بانتمائهم الأصيل إلى بلاد ما بين النهرين، ومن هنا يتوجب عليهم أن يكونوا في مستوى مسؤولية هذا الانتماء.

الأنظمة السياسية التي تدعي علمانيتها والتي تشكلت في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تحمل في داخلها فكرا منغلقا يرفض الانفتاح على عقائد الآخرين الدينية من مواطنيها الأصليين

الأنظمة السياسية التي تدعي علمانيتها والتي تشكلت في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تحمل في داخلها فكرا منغلقا يرفض الانفتاح على عقائد الآخرين الدينية من مواطنيها الأصليين، فكيف الحال إذن بحركات الإسلام السياسي؟

تجليات هذا الواقع دفعت المسيحيين بالنتيجة إلى أن يشعروا بخطورة الأوضاع التي باتت تحيط بهم، فكان لا بد لهم أن ينسحبوا شيئا فشيئا من المشاركة الاجتماعية داخل أوطانهم دون إرادتهم حرصا على حياتهم ووجودهم الذي أصبح مهددا بعد أن تصاعدت موجة التطرف والتهديد ضدهم، وقد تجلى ذلك في أوضح صوره عندما سيطر تنظيم داعش على عدد من المدن في سوريا وليبيا والعراق، وهذا ما دفع أعدادا كبيرة منهم إلى مغادرة أوطانهم بحثا عن ملاذ آمن.

المسيحيون وبقية الأقليات، خاصة في العراق، يتم التعامل معهم على أنهم مجرد ورقة انتخابية تستثمر فقط في بازار السياسة من قبل قوى وزعامات سياسية وقومية تتصارع في ما بينها لكسب ود المسيحيين ولضمان صوتهم إلى جانبها، ولا يوجد بين هذه القوى من تتوفر فيه المصداقية في التعامل معهم وإنصافهم.

الآن ليست هناك من مؤشرات فعلية داخل المطبخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط، توحي بوجود قناعة حقيقية تعبّر عنها برامج القوى السياسية بكل مسمياتها، العلمانية وغير العلمانية.

13