مسيحيو سوريا يرفضون نظام الأسد والتدخل الأميركي

الأربعاء 2013/09/18
مسيحيو سوريا يبحثون الخلاص في حرب تحصد الجميع

دمشق- خلافاً لمواقف الأحزاب والتنظيمات والكتل السياسية المسيحية السورية المنضوية في مختلف التشكيلات السياسية المعارضة كالمجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة والمعارضة والهيئات المسيحية المنبثقة عن الثورة، والمؤيدة بمجملها لفكرة توجيه الولايات المتحدة ضربات عسكرية لقوات النظام السوري، ترفض الغالبية الساحقة من الأوساط الشعبية المسيحية داخل سوريا فكرة التدخل العسكري أو استخدام القوة لإنهاء الأزمة السورية، ورفضهم هذا غير مرتبط بالموقف من النظام القائم، لأنّها تُحمّله في نفس الوقت المسؤولية الأساسية عن الدمار الهائل الذي أصاب سوريا وعن وضع سوريا في مرمى البارجات الحربية الأميركية والغربية، ولا تتردد بالإعراب عن ترحيبها بسقوط النظام لكن ليس بالوسائل العسكرية، الداخلية أو الخارجية.

يرى العديد من المعارضين والناشطين المسيحيين في الداخل والجمعيات والمؤسسات الأهلية والمدنية المسيحية أن التدخل العسكري أو الضربات الأميركية التي كانت على وشك الحصول مؤخراً لن تضع حداً أو نهاية لمآسي السوريين ولن تُسقط النظام، وستصبّ مزيداً من الزيت على النار السورية المستعرة أساساً، وقد تُغرق البلاد في فوضى أمنية وسياسة مدمرة، ولم يخفوا خشيتهم من أن تكون الأقليات أبرز ضحاياها، وقالوا إن المسيحيين خاصة هم أقلية غير مسلحة ومن غير حليف إقليمي أو دولي يتكفل بحمايتهم والدفاع عنهم.

موقف الإكليروس ورجال الدين المسيحيين منذ انطلاق الثورة في سوريا كان موارباً، بل وأقرب في العموم إلى موقف النظام، ولم يتوقفوا عن وصف ما حصل في سوريا بالمؤامرة والثوار بالإرهابيين، ولكن بعيداً عن موقفهم هذا لم ينفك المسيحيون عن مناشدة كل أطراف الصراع لوقف العنف والقتل والبحث عن حلول سياسية سلمية للأزمة التي تعصف بالبلاد، وتبقى نتائج الغزو الأميركي الغربي للعراق عام 2003 ماثلة بذهنهم، وهي نتائج لم تكن مشجعة بل كارثية في بعض جوانبها، حيث تسبب هذا الغزو في تهجير أكثر من نصف مسيحيي العراق.

وحول موقف الإكليروس وبابا الفاتيكان الذي لم يكن يوماً ضد النظام، كبرييل موشي كورية، رئيس المنظمة الآشورية الديمقراطية، والقيادي في إعلان دمشق المعارض، رفض التدخل العسكري الأميركي، لكنّه شدد على أن النظام هو الذي استحضره بعنفه ورفضه لأي حل سياسي، وقال لـ (العرب) «إنّ موقف الفاتيكان والكثير من الكنائس (مثل مواقف الكثير من دول العالم) اتسّم بالكثير من التردد والارتباك، وشابه شيء من الغموض وعدم الوضوح في فهم طبيعة ما يجري في سوريا، ربّما بسبب الاعتماد على بعض المصادر والدوائر الكنسية المنحازة للنظام الذي عزف على وتر خوف الأقليات على وجودها ودورها، مع المبالغة في تضخيم دور المجموعات المتطرفة منذ بداية الثورة حتى عندما كانت سلمية، في محاولة مقصودة منه لتفريغ الثورة من مضامينها الديمقراطية والإنسانية المشروعة، وتشويه صورتها، وبرأينا فإنّ النظام قد حقّق نجاحاً باهراً في هذا المجال، وهذا أوقع المجتمع الدولي في حالة من التخبّط والعجز وحال دون إدانة النظام على انتهاكاته الجسيمة».

يخشى مسيحيو سوريا أن يصبحوا ضحايا الحرب السورية باعتبارهم أقلية غير مسلحة وليس لها حليف إقليمي مباشر يتكفل بحمايتها، وترى في الكتائب المسلحة المتشددة خطراً وعدواً مباشراً لها، وعلى رأسها جبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية، وتسببت سيطرة هذه الكتائب على بلدة معلولا المسيحية ذات المكانة الدينية والتاريخية الكبيرة لديهم في صدمة لهم لا تقل عن صدمة اختطاف مطرانين (يوحنا إبراهيم وبولس اليازجي) في أبريل الماضي ومازال مصيرهما مجهولاً كمصير الأب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو.

ويعيش في سوريا نحو مليوني مسيحي، أي ما يقارب 8 بالمئة من السكان، وينحدرون من أصول عرقية وقومية مختلفة، ويتوزعون على 12 طائفة أو مذهب كنسي، وذلك سبب التنوع في المجتمع المسيحي السوري وعدم تجانسه السياسي والفكري.

سليمان يوسف، المعارض السوري والباحث المختص في قضايا الأقليات والمقيم في القامشلي، قال لـ (العرب) «هجوم جبهة النصرة الإسلامية وغيرها على بلدة معلولا شكّل صدمة كبيرة وعميقة لمسيحيي سوريا، وليس من المبالغة القول بأن هذا الحادث هز أركان الوجود المسيحي ليس في سوريا فحسب وإنما في عموم المشرق، وعزز الشكوك في أن هذه المجموعات الإسلامية أو بعضها على الأقل مخترق من قبل النظام، لأنه قدّم خدمة جليلة له، ودعم مزاعمه حول خطر هذه المجموعات على الأقليات والمسيحيين بشكل خاص، وأساء لقوى الحراك الثوري الوطني».

وعملياً، النظام لا المعارضة هو الذي استهدف المسيحيين بهدف إخافتهم ودفعهم للوقوف إلى جانبه وفقاً لتأكيدات الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي أكّدت أن النظام قصف خلال العامين الأخيرين 33 كنيسة على الأقل في مختلف أنحاء سوريا، وأوضحت أن الأضرار تتراوح ما بين الضرر الجزئي والضرر الكامل، وأكّدت أن لديها توثيقاً بكل هذه الحقائق.

ونوّهت الشبكة بأن قوات النظام لم تميّز بين دين وآخر في عمليات قصفها، وذكّرت بأن هذه القوات دمّرت 1451 مسجداً وأكثر من 3700 مدرسة وقرابة الـ 270 مشفى، ليصبح مجموع ما تم تدميره في سوريا (منزل، مدرسة، كنيسة، مسجد ومشفى) قرابة الـ 3 ملايين مبنى من بينها أكثر من 850 ألف منزل مدمر بشكل شبه كامل.

تحاول المعارضة السورية على اختلاف أديانها طمأنة المسيحيين بأن سوريا المستقبل ستكون هي بلد المسيحية المعتدلة والإسلام المعتدل، وستبقى بلد التفاعل والامتزاج الحضاريين كما كانت طوال قرون، وستكون دولة المواطنة والمؤسسات والعدل للجميع دون تمييز بين دين وآخر.

4